رياح السموم .. القاعدة : النجم الساطع على بحر من دماء الأفغان ( 5 من 6 )

رياح السموم .. من بلاد العرب إلى بلاد الأفغان : ( 5 من 6 )
القاعدة : النجم الساطع على بحر من دماء الأفغان


بن لادن .. ثورة على إنحراف الإخوان
:
تواطؤ الإخوان فى اللعبة الدولية حول أفغانستان تخيله بعض شبابهم المستنير والمتحمس على أنه نوع من التقصير أو القصور . للأسف هؤلاء قلة فى صفوف الإخوان كما فى أى جماعة إسلامية أخرى . من هؤلاء كان أسامة بن لادن الشاب الثورى المتحمس والإخوانى المندفع .
ساندهم بأموال كثيفة عندما فتحوا جبهة فى سوريا فى بداية الثمانينات ، واستمر خلفهم حتى أوصلوا القافلة السورية إلى مأساة مازالت كوابيسها مستمرة فى ثنايا أحداث اليوم . عندما إستمعنا إليهم فى أفغانستان أشار معظم الشباب السورى الذى قاتل هناك وقتها إلى أن القيادة الإخوانية تتحمل الوزر الأكبر فى الكارثة .

وأنها كانت تستثمر الحدث لمصلحتها لا لمصلحة الشعب ولا لمصلحة الإسلام . والبعض كانوا يقسمون على إغتيال قياداتهم الذين تسببوا فى الكارثة ، عند أول فرصة تسنح لهم .

فى بداية دعمه ” للجهاد الأفغانى ” كان بن لادن يتسلل خفية إلى مدينة لاهور فى باكستان كى يقدم دعمه المالى للجماعة الاسلامية الباكستانية لتتولى توصيله إلى المجاهدين الأفغان ،وتحديدا للجناح الإخوانى وعلى رأسه سياف رئيس الإتحاد الإسلامى لمجاهدى أفغانستان فى ذلك الوقت . وبتشجيع من الدكتور عبدالله عزام تجرأ بن لادن على دخول أرض أفغانستان فى منطقة جاجى الحدودية . هناك كان أول موقع بناه سياف لنفسه داخل أفغانستان كى يمارس “الدجل الجهادى” على المتحمسين العرب الأغرار القادمين من بلاد الخليج .

وبمهرجان من اللعب بالنيران نجح فى جمع ملايين الدولارات التى نشط هؤلاء الشباب لجمعها من بلادهم بكل همة لتحقيق ما وعد به “أمير الجهاد الأفغانى” ، كما أطلقوا عليه ، بدخول كابل مباشرة بعد أن يقتحم تلك القلعة الطينية على أطراف وادى جاجى . طالت الكذبة كثيرا حتى فترت الهمم .  بوصول بن لادن إلى هناك ، على أعتاب فصل الشتاء (1986/ 1987) ، وجد أن المنطقة شبه خالية من الرجال ومن أى تجهيزعسكرى .

وسمع شكاوى مريرة ممن تبقى هناك من مجاهدين يطالبون بكل شئ ويحتاجون لكل شئ . فأدرك الخديعة وقرر أن يعمل منفردا فى جاجى ولكن بعيدا عن وصاية سياف ، وبعيدا عن إشراف الدكتورعزام ، الذى يدير مكتب الخدمات الذى أسسه بأموال بن لادن لمساعدة المجاهدين الأفغان ، ولكنه غرق فى بيروقراطية عربية ، وقدر من الفساد الإدارى التقليدى المصاحب لها .

ثورة بن لادن على فساد سياف وقصور إدارة عزام كانا السبب المباشر لبداية مسيرته فى جاجى التى قادته إلى معركة منتصرة ضد القوات الشيوعية (سوفيتية ومحلية) ، فكان هو الإنتصار الأكبر فى حياته الجهادية ، أعقب ذلك بالشروع فى تأسيس تنظيم القاعدة ، كأول تنظيم جهادى أممى . فكرته الأولية كانت تجميع المجاهدين العرب فى أفغانستان فى كيان قتالى واحد . ثم تطورت أهداف المشروع بقوة الإندفاع الذاتى للمؤسسين ثم بضغوط ومطالب المتطوعين والملتحقين من جماعات عربية وغيرعربية .

وهذه نقطة هامة للغاية فى مسيرة الجماعات الجهادية . فاسترضاء مزاجية الشباب المتحمس والمزايدة فى ذلك بين الجماعات المنافسة يلعب دورا هاما فى مسيرة الجماعة ومصيرها . وحيث أنها جماعات مسلحة وتنخرط من حيث تدرى أو لا تدرى فى قضايا دولية شائكة ، فإن تلك المزاجية الحادة تؤثر فى شعوب ودول . وفى مسيرة القاعدة عبر بالغة الدلالة تسببت فى محن خطيرة لأفراد الجماعة وأفراد الجماعات الأخرى . وقد عانت أفغانستان أكثر من أى شعب آخر من جراء سياسة إسترضاء الجمهمور الشبابى المتحمس ، الذى إجتذبته الجماعات الجهادية خاصة القاعدة .

 جـاذبـيـة الإنـدفـاع :
ــ  الإخوان المسلمون كانت لهم معاناتهم الخاصة من جراء إندفاع المجموعات السلفية الجهادية وعلى رأسها القاعدة (ما قبل ظهور داعش) . فقد إجتذبت إندفاعة القاعدة ومغامراتها المبهرة قلوب الشباب المتحمس حول العالم . فانزوت جماعة الإخوان المسلمين ، ولم تغير من شعاراتها غير المقنعة حول (الوسطيه والإعتدال وفقه الواقع .. الخ ) . فمهما قال شيوخ الجماعة العجزة والمحطمين ،

فإن قولهم لم يقنع أحدا من جيل الشباب السلفى الغاضب على كل شئ ، والجاهز لإقتحام أى تهلكة مسلحة فى أى مكان . كان الإندفاع ملهما للشباب ومثيرا لعواطفهم التى لا تسندها عقول مستنيرة ولا ثقافة كافية .
لقد إستكملت القاعدة وجماعات السلفية الجهادية ، وصولا إلى داعش الأعجوبة ، ما بدأه الإخوان المسلمون فى أهم نقطتين ، وهما

:
أولاــ تحطيم الإسلام التقليدى بعلمائه ، ومذاهبه الأربعة الموروثة .
فبدلا من إشعال جذوة إجتهاد حقيقى يجابه التطورات والتحديات فإن التحطيم كان أسهل . فتحطم مورث الأمة الفقهى قبل أن تتحطم المدن والدول على أيدى” وهابية جهادية” لا تبقى ولا تذر .
ثانيا ــ تفكيك البنية الإجتماعية التقليدية الحاضنة للإسلام .
فخصصوا للإنتماء التنظيمى مرتبة تتقدم الإنتماء للإسلام نفسه . فتقسمت المجتمعات والقبائل إلى ( ملتزمين وغير ملتزمين) بعد أن كانت جسما إجتماعيا واحدا يربطه الإسلام . ثم وضعوا الإنتماء للأيدلوحية الوهابية (هى غالبا إجتهادات فقهية شاذة أو خلافية) قبل الإنتماء لأساسيات الإسلام الجامعة . فتقسمت الوحدات الإجتماعية من القبيلة حتى الأسرة الصغيرة إلى “موحدين ” و” كفار” أو”مشركين”.
ثالثا ــ  إرباك المجتمع وضرب مكوناته ببعضها بخدعة بسيطة هى العبث بالأولويات .
 فإذا كان البلد تحت الإحتلال ، وجيوش أمريكا والناتو تعيث به فسادا ، يأتى ” الموحدون ” ويرفعون راية محاربة البدع والشركيات ، ويبدأون فى الهجوم ـ ليس على قوات العدو ـ ولكن على المقابر والأضرحة ، فينسفونها ، أو يسرقون الرفات ويرمون بها ليلا إلى حيث لا يدرى بمكانها أحد . فينقسم المجتمع وتشتعل معركة جانبية بين فئات المسلمين . وبالتحديد بين ” الموحدين” أى الوهابيين ، وبين  “المشركين ” الذين هم كل من يقف خارج التنظيم الوهابى

.ثم الإدعاء بأن تقسيم المجتمع وتصادم مكوناته جاء على إعتبار عقائدى لا يقبل حلولا وسطا ، فتكون الوهابية فى جانب والصوفية والشيعة على الجانب آخر . أما إذا تعذر ذلك وكان المجتمع أكثر تجانساً

( كما فى مصر مثلا) إذ الصوفية ضعيفة وشكلية ، والتشيع غير موجود تقريبا ، فيجعلون المعركة هى تطبيق الشريعة ومقاومة العلمانيين والمسيحيين .

ــ    خلال فلتان الربيع العربى كان المجتمع كله يقف إلى جانب شعارات سياسية وإجتماعية (خبز ، حرية ، كرامة ، عدالة إجتماعية ) . لكن الإسلام السياسى ( إخوان / قاعدة / دواعش / جهاديين من أصناف شتى) أحبطوا المسعى الشعبى نحو تلك المطالب العادلة . فعلوا ذلك بإسم الشريعة ، وكأن المطالب الإنسانية من تلك الشاكلة تمثل عدوانا على الشريعة أو تطعن فى عقائد المنادين بها . وفى النهاية فشل الشعب فى تحقيق طموحاته ، وفشل الإخوان فى الثبات على كرسى الحكم سوى لأشهر معدودات ، سقطوا بعدها غير مأسوف عليهم من أحد سوى أنفسهم  .

ــ    فى سوريا جاء “الربيع” قريبا من الوضع المصرى ، فخرج الناس ثائرين مطالبين بأشياء مماثلة لمطالب المصريين ( الخبز والحرية والكرامة والعدالة ) فدخل الإسلام ” الوهابى” من الإخوان حتى الدواعش مرورا بالقاعدة ، مشاغبين بشعارات (الشريعة والدولة الإسلامية) ، وبدلا من الثورة الشعبية السلمية ، رفعوا السلاح من غير دراسة أو إستعداد أو حتى ضرورة ،

فدارت معركة حطمت سوريا وشردت شعبها فى أكبر هجرة بشرية شهدتها المنطقة . وتغيرت طبيعة المواجهة من مطالب مشروعة لشعب إلى صراع دولى وإقليمى لأهداف لا تفيد الشعب السورى ولا تفيد أى مسلم بأى حال ، سوى فائدتها للقوى الأكبر الطامعة فى الثروات والمواقع الإستراتيجية ، ومفيدة أيضا لأصحاب توكيلات الخراب وتجارة الدم المسفوح هدراً .

يمكن إيجاز فلسفة وجود تنظيمات الوهابية القتالية بالتالى :

ــ تشويه رسالة الإسلام نفسه ، وتحويله من دعوة هداية إلى دعوة ذبح ودمار .

ــ إحلال الوهابية محل الإسلام ، وإلغاء المذاهب السنية الأربعة ، مع الإدعاء بأن الوهابية هى المدافع الحصرى عن ” أهل السنة والجماعة إزاء تهديد وجودى يشنه الشيعة عليهم” . وإيهام المسلمين والعالم بأن الوهابية هى الإسلام الحقيقى . يفيدهم فى ذلك سياسة تأميم الإسلام بواسطة أنظمة مستبدة فاسدة هى موضع سخط من شعوبها ، وسخرية من العالم .

ــ المشاغبة بشعار تطبيق الشريعة فى مواجهة مطالب الشعوب بالحرية والعدالة والعيش الكريم وتحويل شعار تطبيق الشريعة إلى أداة تصدى لمحاولات التغيير وحرف مسارها إلى العنف الطائفى والدينى .

ــ المشاغبة بشعار الدولة الاسلامية ، لإحداث تفتيت كامل فى الكيانات القائمة فى بلاد المسلمين ، بدعوى تنقية العقائد ومحاربة (الشرك) وهدم الأضرحة والقبور . فبينما العالم يسير نحو التوحيد ضمن كتل الكبيرة للحصول على مزيد من القوة والمكانة فى دنيا السياسة والإقتصاد ، وهكذا تفعل أوروبا ، وتحاول دول آسيا فى تكتلات عديدة بعضها يسعى إلى العالمية . نجد العالم الإسلامى (والعربى خصوصا) غارق فى التفتيت تحت مطارق “الوهابية القتالية” بدعوى مخادعة عن التوحيد وتنقية العقائد من الشرك والبدع .

ــ إفشال عمليات الجهاد ضد الأعداء الحقيقيين ، مثل الإحتلال اليهودى لفلسطين وجهاد الأفغان ضد الإحتلال الأمريكى الأوروبى لبلادهم ، أو دفاع حزب الله ضد الغزوات الإسرائيلية لجنوب لبنان .
ــ تحويل مسار العمل الجهادى نحو الفتنة الطائفية والقبلية ، كما حدث فى العراق بتحويل جهاد العراقيين ضد الغزو الأمريكى البريطانى إلى فتنة طائفية وعرقية ودينية .

ــ ثم مؤخرا إستنفار داعش لمرتزقتها من أجل قتال حركة طالبان التى تقود جهاد شعب أفغانستان ضد العدوان الأمريكى منذ 14 عاما .
ومحاولات السلفية إحداث فتنة فى غزة بإعلانها ” دولة إسلامية ” وإرباك صمود حماس فى ذلك الجزء اليتيم من فلسطين الذى مازال يحمل بندقية جهادية ضد الإحتلال اليهودى .

ــ تحويل إتجاه بنادق الجيوش العربية والإسلامية من الخارج إلى الداخل لقتال “الإرهاب” / فى تحول واضح لعقائدها القتالية / فنجد أهم تلك الجيوش منغمس فى قتال داخلى (إسلامى/ إسلامى) ، دور إسرائيل فيه إما دور الحليف أو دور الصديق ، فلم يعد هناك شيطانا أكبر أو أصغر سوى ” الإرهاب الاسلامى ” الذى تعطى داعش مصداقية الإدعاء بوجوده .

فلسفة وجود تنظيمات “الوهابية القتالية” ، تتطابق مع أهداف الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة ، التى هى متورطة تماما فى تصنيع ذلك التيار الإسلامى الفوضوى ، لتحقيق أهداف كبرى ، يكاد يكون من المستحيل تحقيقها بوسيلة أخرى أكثر كفاءة أو أقل تكلفة .

كثيرة هى ومعقدة مجهودات أمريكا فى تصنيع ذلك التيار بالقوة والخديعة والتوريط أو عبر حلفاء إقليميين . فالتعامل الأمريكى مع ذلك التيار يتم حسب الإحتياج والمصلحة ، لذا لا يسير فى خط مستقيم ، ولا يبنى دائما بل يهدم أحيانا ، حسب تطور المواقف . فيضيف أدوات و يحذف أخرى ، أو يقاتل بعض “الشوائب” الإسلامية التى لا ترغب فى الخضوع ، أو لا ترى أن أمريكا هى الإله المعبود .

مسيرة أمريكا مع القاعدة  :
لم تؤسس الولايات المتحدة تنظيم القاعدة ، كما هى الكذبة أو التشنيعة الرائجة . فتأسيس القاعدة تم بمجهود أسامة بن لادن وإمكاناته وقدراته الخاصة ، فى ظرف كان مواتيا للغاية ، وتوافر له مساعدان يمتلكان قدرات مناسبة لذلك العمل كما كان يتخيله بن لادن ، وكما تخيل معه هذان الشبان المصريان ، وهما بطلا معركة جاجى الشهيرة التى قاداها مع بن لادن .

معركة جاجى عام 1987 كانت بداية الفكرة الطموحة لإنشاء تنظيم جهادى دولى على هامش الجهاد فى أفغانستان . فنجاح بن لادن ومن معه من الشباب كان مذهلا للجميع حتى لأصحاب الإنتصار أنفسهم ، ولكافة من تابعوا أجوائه من قريب أو بعيد . بدأ تشكيل التنظيم بعد تلك المعركة بقليل ، فى أجواء حماس منقطع النظير ، وترحيب بزعامة بن لادن كقيادة شابة وميدانية ـ وسلفية جهادية معتدلة . وكان ذلك متوافقا مع الاستراتيجية الأمريكية فى أفغانستان.

ــ شن الأمريكيون حربا دعائية ونفسية ضد السوفييت على نطاق العالم لتشويه صورته التى حرص عليها ، مصورا نفسه كدولة مساندة لكفاح الدول الضعيفة ضد الإستعمار ، ومساندا للعرب فى كفاحهم ضد إسرائيل . كان الإخوان هم التنظيم الإسلامى الأول فى الحرب الدعائية والنفسية ضد السوفييت ، وهاهى القاعدة كتنظيم قتالى شاب يثبت جدارته فى معركته الأولى فى الميدان الأفغانى ضد السوفييت . كان ذلك توافقا أمريكيا غير مباشر مع القاعدة وتآمرا أمريكيا مباشرا مع الإخوان .
بداية القاعدة ـ على هامش حرب أفغانستان ـ كانت براقة جدا وسريعة بشكل مبهر ، حتى إعتقد كثيرون أنها الإنعتاق الإسلامى الذى جاء أخيرا .

فتسارع الأفراد والجماعات لأداء البيعة لأمير التنظيم بن لادن ، حتى بلغ تعداد المنتسبين حوالى 12 ألف شخص خلال أسابيع قليلة . وهذا يشبه الإندفاع نحو داعش فى الوقت الحالى . فظروف العالم الإسلامى ، خاصة شريحه الشباب تتجاوب مع الدعوة إلى الإسلام خاصة من باب ” الجهاد ” واستخدام القوة ضد العقبات ومسببات الإنحدار ، وضد القوى التى ظلمت وأهانت الأمة . فالشباب يتوق إلى العظمة والقوة والإنعتاق من الضعف المهين . وهنا يتولى التنظيم الجديد ، سواء كان القاعدة أو داعش أو غيرها ، بتقديم لائحة الأعداء وأساليب العنف المعتمدة ضدهم ” جهادا فى سبيل الله ” . ومن هنا تبدأ الكوارث التى نعيشها الآن .

توجيه أمريكى غير مباشر :
أول تسلل أمريكى صوب القاعدة إستهدف استدراجها إلى مسار محدد فى الرؤية الأمريكية لدور” الورقة الإسلامية ” ليس فقط ضد السوفييت ، بل فى العالم العربى و الإسلامى ثم العالم بشكل عام  .
ــ جاء التسلل الأول عبر التدريب العسكرى . فقد كانت القاعدة فى حاجة إلى تدريب كوادرها إلى مستويات أعلى . فى الساحة وقتها كان هناك معسكرا تابعا لمكتب الخدمات الذى يديره عبد الله عزام ، وكان يعانى من قصور الرؤية لدور التدريب ومستواه المطلوب ، ومعرضا لضغوط سعودية لمراقبة البرامج والمتدربين . ورغم وجود مدرب سورى ممتاز وهو ضابط سابق ، إلا أن المعسكر كان أبعد عن تلبية الإحتياجات المطلوبة .

عن طريق تنظيم الجهاد المصرى المندمج وقتها فى القاعدة تم إستقدام ضابط مصرى يحمل الجنسية الأمريكية ويعمل ضمن قوات مكافحة حروب العصابات فى أمريكا اللاتينية ، لتدريب التنظيمين التوأم . ولكن برامج التدريب كانت “ملغومة” وتتخطى ما هو مطلوب فى حرب أفغانستان . إذ إحتوت وبشكل ملفت للغاية على برامج حروب الإرهاب فى المدن من مراقبة واختطاف وتدمير ، وصولا إلى … إختطاف الطائرات !! .

لم يكن الأمر فى حاجة إلى ذكاء عالى المقدرة لفهم أن ذلك يعنى تأهيل ” المجاهدين العرب ” لمهام مستقبلية بعد حرب أفغانستان . بل أن بعضهم سارع بترك الساحة الأفغانية لتطبيق المهارات الجديدة فى ميادين أخرى . كان ذلك قبل أكثر من عام كامل من إنسحاب السوفييت فى مارس 1989 . وقبل إثنى عشر عاما من غزوة طائرات منهاتن فى 11/9/ 2001 .

ــ  كانت التدريبات تجرى فوق الأرض الأفغانية طبقا لرؤية لا شأن لها بأفغانستان بل أضرتها ضررا بليغا . لم يكن ذلك شأن القاعدة وحدها بل شأن جميع التنظيمات الجهادية التى نبتت بعد ذلك مثل الفطر على سطح الماء الراكد ، خاصة بعد معركة جلال آباد الفاشلة عام 1989 ، فنشرت معسكراتها على جانبى طريقها الدولى القادم من باكستان .

ــ ولابد من الإعتراف وبوضوح أن الفكر الوهابى المسيطر على الساحة الاسلامية قد دخل بالناس إلى متاهات مهلكة دمرت المجتماعات وعقدت مشكلاتها ، فخلق مشكلات أعوص ، إلى درجة تعرض الآن وجود الأمة لخطر الزوال بعد خلط المفاهيم والمسير الخاطئ فى مجال السلم كما فى مجال الحرب .

 

الثأر الوهابى من أفغانستان :

ولم تنشط الوهابية فى المجال العام أيا كان ـ خاصة المجال الجهادى ـ إلا وانتكست مسيرة الشعوب وتدهورت من كارثة إلى كارثة أشد وأعقد  . والأمثلة أصبحت الآن أكثر من أن يشار إليها ، والمسيرة بدأت بأفغانستان ويبدو أنها تتهيأ للعودة إليها الآن ـ بعد رسائل الغزل بين الظواهرى والأمير منصور فى منفاه الباكستانى ، بينما داعش ترسل كتائب الموت إلى “خرسان” لتكفير طالبان ونسف الأفغان أينما تمكنوا منهم.
وهابية داعش والقاعدة تستأنف فى أفغانستان رسالتها التقليدية فى إنهاء الإسلام التقليدى الذى يحمله علماء أفغانستان بدعوى أنه شرك وقبور . وإنهاء الحاضنة الطبيعية للإسلام التقليدى هناك ، أى إنهاء القبائل بتقسيمها إلى مسلمين” أتباع داعش”  وكفار “أتباع العلماء الأفغان” . ثم إنهاء الجهاد غير الوهابى والذى تتصدره حركة طالبان .
أى بإختصار تحقيق ما عجزت عنه الحملات العسكرية الغربية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم ، حملات الجيوش البريطانية ، والروسية ، والأمريكية والأوربية .
من وجهه نظر داعش فإن القاعدة أثبتت فشلها حيث لم تفعل سوى إسقاط حكم طالبان وإدخال الجيوش الأمريكية إلى البلاد . داعش والقاعدة معا إذا تمكنا من إكمال برنامجهما المشترك وتقسيم الأدوار بينهما تحت رعاية الحكومة الباكستانية ،  فإنهما قد يتمكنان من إقتلاع الإسلام نفسه وتدمير مقوماته الإعتقادية والإجتماعية من آخر قلاع الإسلام فى العالم ( أفغانستان ) .

ــ      التسلل الأمريكى الثانى إلى القاعدة كان بالتأثير غير المباشر على مسيرة قائدها “بن لادن” بمنعه من مغادرة السعودية بعد عودته إليها فى أعقاب معركة جلال آباد غير الناجحة فى يوليو 1989 . وخلال ذلك الإحتجاز تم إغتيال عبد الله عزام فى بيشاور .
ثم تمكن بن لادن بصعوبة بالغة من العودة إلى باكستان بدعوى تصفية أعماله هناك . وخلال الفترة القصيرة التى قضاها أدرك بوضوح أن باكستان لم تعد تصلح له ، وأن حياته ستكون مهدده ” فى الأخير كانت نهاية بن لادن فى باكستان ، مقبرة الإسلام ” . وأخذ يتنقل داخلها بشكل مستمر وسريع من مكان إلى آخر ، ولم يكن يريد العودة إلى السعودية حتى لا يوضع مرة أخرى قيد الإقامة الجبرية ، فكانت السودان خيارا وحيدا . وكان قد نقل معظم أفراد وكوادر القاعدة إلى هناك إضافة إلى ما أمكنه الحصول عليه من أمواله المجمدة فى السعودية .

 

ــ      إستمر الضغط الأمريكى شديدا ومتواصلا لدفع بن لادن إلى المكان الذى ترغب الولايات المتحدة أن تبدأ فيه برنامجاً موسعا ، ويحتاج إلى مواصفات بن لادن كى يلعب أمامها دورالشرير فى أفلام رعاة البقر . عنوان الشر فى هذا الإستعراض هو “الإرهاب الإسلامى” وكان بن لادن وقتها أكبر الرموز العربية للجهاد الأفغانى ضد السوفييت ، والأشهر عالميا كأكبر “داعم للإرهاب” وممول للمجموعات الجهادية فى عدة بلدان عربية ، والمتهم بإدارة معسكرات تدريب فى السودان والصومال وأفغانستان . وفى النهاية إتفقت الحكومتان الأمريكية والسودانية على نقل بن لادن إلى أفغانستان ، واصفين ذلك بالحل الأفضل بالنسبة للجميع حتى بن لادن نفسه ، وذلك بديلا عن تسليمه إلى السعودية ـ التى أسقطت عنه الجنسية السعودية ـ أو تسليمه لأى حكومة آخرى .

 

كان الهدف الأمريكى هو أفغانستان منذ البداية ، والشركات الأمريكية الكبرى ركزت أعينها على ثروات أفغانستان الطبيعية (وفى مقدمتها الأفيون)، والمشكلة كانت وجود عدة آلاف من المتطوعين العرب. فبدأوا بطردهم من أفغانستان ومطاردتهم دوليا . ولكن وبشكل غير متوقع ظهرت حركة طالبان التى إستولت على الحكم بعد وصول بن لادن إلى أفغانستان بعدة أشهر . يتضح الآن أن الخطة الأمريكية كانت هى إستخدام القوة المسلحة للإستيلاء على أفغانستان وثرواتها ، وسحق طالبان بذريعة إيواء قائد ومحرك الإرهاب الإسلامى فى العالم ” أسامة بن لادن”.
لم يكن تنفيذ ضربة كبرى ضد أفغانستان ممكنا بدون إستفزاز كاف يعطى المبرر لذلك .
قام بن لادن بمهمة الإستفزاز خير قيام موفرا ما يكفى من ذرائع لأسوأ هجمات الغزو والعدوان التى تعرضت لها أفغانستان فى تاريخها . وكان ذلك موضوع الصراع الخفى بين “بن لادن ” والإمارة الإسلامية .
الضغوط التى وقعت علي السودان إنتقلت أضعافا مضاعفة على أفغانستان وأمارتها الإسلامية الناشئة . بن لادن وحده أصبح مصدرا لما لا يمكن تصوره من ضغوط خارجية ، من الولايات ومن خلفها معظم دول العالم ، إحتجاجا على تصريحات بن لادن فى مؤتمراته الصحفية التى عقدها على الأرض الأفغانية (بدون علم أو تصريح الامارة) . وكان إعلانه ” الجهاد فى جزيرة العرب لتحرير المقدسات الإسلامية ” قد أسبغ خطورة خاصة على كل ما يتصل به ، وبات العالم يترقب شكل هذا الجهاد ، والجماعات الإسلامية فى العالم العربى هاجت وماجت ما بين أقلية مؤيدة وأكثرية معارضة ، تشعر بالخوف على مكانة تنظيماتها من أن تتلاشى بفعل عاصفة بن لادن التى قد تبتلع الجميع وتسحب البساط من تحت أقدام قضت عقودا على طريق إنشاء تنظيمات تحقق لها الشهرة والمكانة السياسية .
كانت الإمارة الوليدة فى أفغانستان تخوض حربا ضارية ضد تحالف الشمال الذى يشمل طيف المعارضة كلها بدعم دولى ، ومن دول الجوار القريبة مثل إيران وروسيا . كانت الحرب تهدد بتقسيم البلد إلى كيانات عرقية ومذهبية .

ــ      معاملة “الملا محمد عمر” كانت مثالية مع المهاجرين العرب ، ومعظمهم جاء حديثا بعد وصول بن لادن فى مايو 1996 ، والقليل منهم لم يستطع مغادرة أفغانستان منذ إنتهاء الحرب ضد الشيوعيين وسقوط نظامهم فى أبريل 1993 . كان العرب موضع تقدير عام من الشعب الأفغانى لوقوفهم إلى جانبهم فى أصعب مراحل القتال ضد السوفييت والشيوعيين ، وفيها كان الشباب العربى مثالا عاليا فى البطولة والتضحية ، كما بذلوا مجهودا كبيرا فى مجالات الصحة والتعليم والمعونات الإنسانية المقدمة للمهاجرين .

ولولا غلبة الأفكار السلفية على هؤلاء الشباب لأحدثوا تغييرا كبيرا ، ليس فى أفغانستان فقط بل أيضا فى المنطقة وربما العالم ، ولكن الشباب إفتقدوا إلى الفكر الدينى والدنيوى المناسب ، وإلى قيادات على مستوى الحدث الأفغانى بأبعاده الدولية الخطيرة .
وما زال ذلك هو حال المتطوعين العرب فى كل مكان : سلفية معرقلة ، وجهل سياسى معيب ، وقيادات دون المستوى بكثير أو بلا مستوى على الإطلاق .

ــ    فى البداية طلب الملا عمر من بن لادن أن يتوقف عن المؤتمرات الصحفية وأن يلزم الصمت لأن ظروف أفغانستان لا تحتمل كل تلك الضغوط القادمة عليها بسببه . ثم طيب خاطره قائلا بأن الإمارة ترحب به وبكل العرب الذين وفدوا إليها وجاهدوا مع شعبها ، وأنها وطنهم وهم فيه أحرار مثل كل مواطنيه ، وأن الإمارة لن تسمح بأن يصيبهم أى مكروه . كان كريما وعاطفيا وصادقا . ولكنه لم يصادف معاملة مماثلة من العرب ، كما أن بن لادن لم يلتزم بما طلبه منه أمير المؤمنين .

بل هدده فى إحدى المقابلات برفع قضيته أمام محكمة شرعية بسبب منعه من التحرك فى قضيته الجهادية . وكانت صدمه للأمير أعقبها فتور طويل فى العلاقة بينهما .
لتهدئة بن لادن وإيقاف تصريحاته النارية ضد الولايات المتحدة ، وتحذيره من توجيه أى أعمال عدائية ضدها ، نظرا لظروف أفغانستان الحرجة ، أشرك الملا عمر فى مجهوده عددا من المسئولين والمستشارين ، منهم رئيس الوزارء “ملا محمد ربانى” ووزير الخارجية محمد حسن ثم وزير العدل محمد حسن ترابى ، ثم الملا جليل المستشار السياسى للملا عمر .
أما المولوى الشاب / وكيل أحمد متوكل وزير الخارجية فقد تابع ملف بن لادن بتركيز لأكثر من عام فى نهاية حكم الإمارة . ولم يجد كل ذلك نفعاً إلى أن وقع حادث 11 سبتمبر ونشبت الحرب التى مازالت دائرة حتى الآن ، على إمتداد 14 عاما قاتلة .

ــ     أثناء وجود بن لادن ومئة ممن معه ، بمن فيهم من نساء وأطفال ، توجهت حملة مسلحة من الأشقياء عبر الحدود مع باكستان مستهدفة مقر إقامة هؤلاء العرب على أطراف مدينة جلال آباد . فأحبطت حركة طالبان المحاولة واعتقلت عددا من القائمين عليها .

وأفادت المعلومات أن الهجوم رتبته باكستان والسعودية (!!) .
إنتقل بن لادن ومن معه إلى قندهار ليكون تحت حماية أوثق من الإمارة . ولم يكن الدرس كافياً . فاستمر بن لادن على ما هو عليه ، واستمرت الإمارة فى موعظته مع الإمتناع عن مضايقته بأى شكل . ولم تكن تلك هى السياسة المثلى ، كما أثبتت الأحداث اللاحقة ، إذ أن وضعه قيد الإقامة الجبرية كان الأفضل له ولأفغانستان . وهو ما رفضت الإمارة فعله .

ــ    محنة آخرى تعرضت لها الأمارة دفاعا عن بن لادن ، وتصدى لها الملا عمر بصبر وإصرار . عندما وصل إلى قندهار على ظهر طائرة بوينج خاصة تركى الفيصل مدير المخابرات السعودية ، وبرفقته السفير السعودى لدى باكستان وأفغانستان ، والذى كان ممنوعا من دخول أفغانستان بأمر من الملا عمر بسبب سوء تصرفه . هدف الزيارة كان المطالبة بتسليم بن لادن ومن معه لحملهم إلى السعودية . وتفاصيل الحوار الخشن أصبحت مشهورة ، وانتهت باستحكام الأزمة بين البلدين .

وأصر الملا عمر على عدم تسليم بن لادن طالما لا يوجد دليل مادى يدينه بأى شئ ، إضافة إلى أنه لم يعد مواطنا سعوديا بعد أن أسقطت عنه جنسيتها .

ــ     فى يوليو من عام 1998 وقع حادث التفجير المتزامن ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام بأفريقيا . ورغم أن القاعدة لم تعترف بمسئوليتها عنه ، إلا أن أمريكا قصفت بصواريخ كروز عدة أهداف داخل أفغانستان ، منها معسكران لتنظيم القاعدة ، ومعسكر مجاور لهما يعود لجماعة باكستانية ، ثم قاعدة جاور الشهيرة التابعة لجلال الدين حقانى ، وهى ليست بعيدة من المعسكرات السابقة التى جميعها تقع فى منطقة خوست فى جنوب شرق أفغانستان .

ــ      فى عام 2001 وقع حادث 11 سبتمبر ، ولم تعترف به القاعدة بشكل مباشر . وطالبت أمريكا مباشرة وعبر حلفائها ، خاصة باكستان، بتسليم بن لادن ، ولكن الملا عمر أصر على موقفه القديم وطالب بالأدلة ، ولكن أمريكا ترى أن ما تقوله يكفى ولا يحتاج إلى أى أدلة.

ــ حادث 11 سبتمبر كان عملا غاية الأهمية بالنسبة للسياسة الأمريكية حول العالم ، وربما تزيد أهميته عن حادث “بيرل هاربور” الذى أتاح لها دخول الحرب العالمية الثانية بعد أن كان الرأى العام الأمريكى يعارض أى تورط جديد فى حروب القارة العجوز بعد مأساة الحرب العالمية الأولى .
ــ فبعد حادث سبتمبر أصبح المسلمون مستباحون على طول العالم وعرضة ، شعوبا ودولا ودينا .. حاضرا ومستقبلا .. وإلى قيام الساعة.

تم فرض اللعبة فقبلها العالم عن طيب خاطر ، كل يبحث عن نصيبه من الغنيمة . حتى المسلمون أنفسهم أقبلوا عليها ، عن جهالة أحيانا أو بحثا عن فتات بين أحذية الكبار فى أحيان أخرى . وهناك نجد جماعات وتنظيمات وأحزاب ومشايخ ورؤساء وقادة ومجاهدين ، وإسلام سياسى وغير سياسى ، دراويش ودواعش ، وقوفا وقواعد .

# وكما كانت بيرل هاربر إستدراجا لليابان عبر إجراءات الحصار الإقتصادى الخانق ، الذى لم يترك لها خيارا سوى شن الحرب على الولايات المتحدة بديلا عن الإستسلام غير المشروط . بالمثل جاء إعلان بن لادن الجهاد على الولايات المتحدة ، نتيجة لسلسلة من الضغوط القاسية التى لم تترك له خيارا آخر سوى إعلان الجهاد على تلك الدولة ، التى أخرجته بيته بجوار الحرمين الشريفين ، لإخراجها هى من جزيرة العرب وتحرير الحرمين الشريفين وجزيرة العرب من جيوشها ، لأن الخيار الآخر كان الإستسلام للجلاد الأمريكى .

لقد أرغم بن لادن على ترك معظم أمواله فى السعودية التى بادرت بإسقاط جنسيتها عنه . ثم أرغم على مغادرة السودان تاركا ما تبقى من أموال أراد استثمارها هناك لبناء دولة إسلامية مزدهرة . وها هو الآن شبه معدم فوق جبال تورابورا وسط حفنة قليلة من الشباب المطاريد ، الذين أغلقت فى وجوههم فجاج الأرض ، وضاقت عليهم الدنيا بما رحبت ، فكان خيارهم هو الهجوم بديلا عن الإستسلام .

 { تجدر هنا ملاحظة أن “بن لادن” فى بيانه الأول ، طالب بتحرير المقدسات الإسلامية وفى مقدمتها الحرمين الشريفين كما طالب بتحرير جميع الجزيرة العربية . ولم يعلن الجهاد للأسباب الوهابية التى شاعت من قبله ومن بعده ، أى لتحطيم الأضرحة والأصنام ، أو إبادة الشيعة أو القضاء على الصوفية ، أو محو المذاهب الأربعة لأهل السنة بإحلال الوهابية مكانها ، أو تطبيق الشريعة بالفهم الوهابى للشريعة على أنها فقط قانون العقوبات الشرعية من قطع وقتل ورجم . وهى عقوبات مشددة يسبقها حتما تشييد حكم إسلامى قائم على العدل والمساواة والرعاية الإجتماعية للجميع ، حتى تنتفى ضغوط الحاجة على الفرد بحيث تدفعه إلى الخروج عن إطار أحكام الشريعة ــ وهذا مالا تذكره الوهابية بل تقاتل من ينادى به وتتهمه بالشرك أو الكفر . لهذا كان يمكن إعتبار بن لادن وقتها ، شخصا مستنيرا ، وسلفيا معتدلا }.

فكرة “غزوة مانهاتن ” لم تأت من داخل تنظيم القاعدة ، وكذلك التخطيط للعملية وأيضا معظم إجراءات التنفيذ . وفى هذا الإطار المتشعب لعمل خطير إستمر الإعداد عدة سنوات ، كان نفاذ العدو إلى مفاصل العملية أمرا واقعاً ، وفتح العدو أمامها السبل ، وقام بنفسه بخطوات جوهرية فى العمل الذى تلبسته القاعدة ، وسيظل المسلمون يحملون ـ ظلما ـ وزره إلى قيام الساعة ، وأفغانستان تدفع يوميا من دم أبنائها ، حتى الآن ، ثمن تلك الغزوة المليئة بالألغاز .

لقد أدى بن لادن البيعة ” للملا محمد عمر” بصفته أميرا للمؤمنين . تمت البيعة بصعوبة ولم تحترم بشكل كامل ، وأخترقها بن لادن متسببا فى حرب أحرقت أفغانستان وأسقطت حكم الملا عمر وإمارته الإسلامية .
باقى التنظيمات المماثلة للقاعدة والمتنافسة معها ، كانت مسيرتها فى أفغانستان مشابهة لمسيرة القاعدة ، ليس فقط فى عدم إحترام البيعة ـ فبعضهم لم يبايع أصلا ـ لكن الجميع كان فى حاجة إلى مأوى لتجميع عناصرة ، وفى حاجة لمعسكر تدريب خاص ،

وفى الأخير سعوا إلى تجنيد عناصر من حركة طالبان فى صفوف تنظيماتهم ـ ونجحوا جميعا بدرجات متفاوته ـ وكادت أن تصبح الظاهرة مـألوفة ، وهى وجود آحاد من عناصر أو كوادر طالبان يعملون بشكل قريب جدا ، أو حتى كعناصر منظمة ، مع التنظيمات العربية .
كان هناك تسابقا محموما على إستقطاب عناصر من طالبان . وبعض الوهابيين العرب عقد جلسات تثقيفية لعناصر من طالبان لتوضيح الإنحرافات الشرعية ـ والشركيات ـ التى تحتويها المناهج الدراسية التى يتلقاها طالبان فى مدارسهم المعتمدة “!!” .

ــ    القاعدة أنشأت “معهدا علميا ” فى قندهار لتدريس العلوم الشرعية واللغة العربية ، وصادف نجاحاً ملحوظا فى أوساط الكوادر العاملة فى الإمارة حول أمير المؤمنين ، وكان ذلك أخطر الإختراقات .
ولكن إتجاهه كان منصبا على توثيق الروابط الشخصية أكثر من تركيزه على تصحيح (العقائد المنحرفة) لدى طالبان ، كما فعلت التنظيمات الأخرى . ولكن نشاطات التجنيد لدى القاعدة كانت قوية ونشيطة بين طالبان وبين أوساط العرب سعيا لضم أكبر قدر منهم إلى صفوفها ، التى كانت تعانى من نقص فادح فى قواها البشرية منذ ذهابها إلى السودان .

حاولت القاعدة ضم تنظيمات بكاملها إلى صفوفها وترى أن ذلك من حقها بعد الشهرة الكبيرة التى نالها التنظيم وقائده وبعد الضربات الناجحة التى وجهها إلى الولايات المتحدة فى أفريقيا وعدن وفى النهاية ” غزوة منهاتن ” فى 11 سبتمبر .

أكثر ما أزعج القاعدة كان القائد الأوزبكى (محمد طاهر) قائد الجماعة الإسلامية المهاجرة إلى أفغانستان . وكان طاهر قريبا جدا من أمير المؤمنين محمد عمر . وتنظيمه كان أكثر حيوية وأدق من أى جماعة عربية فى الساحة . والأخطر كان حرصه على إبعاد تنظيمه عن السلفية وتمسكه بالمذهب الحنفى السائد فى بلاده كما فى أفغانستان . توترت العلاقة بين القاعدة والتنظيم الأوزبكى حتى كادت أن تصل يوما إلى إشتباك مسلح فى كابل على إثر حادثة ذات بعد مذهبى ، تراجع فيه طاهر متسامحا فقابلته القاعدة بالمزيد من التعنت . زاد من كراهية القاعدة ” لطاهر” حصول قائده العسكرى ” جمعه باى ” على قيادة القوة المشتركة للمتطوعين الأجانب بناء على إختيار الملا عمر شخصيا

–  لعلها نقطة إيجابية فى كارثة الغزو ، أن أدت الهجمة الأمريكية على أفغانستان إلى طرد كافة التنظيمات العربية . وقبلها كانت مسألة وقت فقط حتى تنقسم حركة طالبان إلى عدة منظمات وهابية متصارعة ، بعدد المنظمات العربية الموجودة فى أفغانستان .
بالطبع لن يسير شعب أفغانستان خلف منظمة وهابية حتى لو كان إسمها طالبان ، وبالتالى سيقع الصراع بين شعب أفغانستان وبين طلبة العلوم الشرعية الذين هم تلامذة علماء أفغانستان ، فأى مستقبل مظلم كان ينتظر الإسلام فى ذلك البلد ؟؟ .
لقد إنتصر الأفغان فى كل مرة واجهوا  فيها جيوش الكفر الغازية ، ولكن مع برابرة الوهابية فإن الغزو سيتم بإسم الإسلام ، من داخل الصفوف المسلمة التى سيكفر بعضها بعضا ، ويضرب بعضهم رقاب بعض ، على عكس ما حذر منه رسولنا الكريم بقوله ( لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .. ) وهذا ما يحدث الآن فى كل بلد نشطت فيه “الوهابية القتالية” ، فلم يشهد تاريخ المسلمين ، فى غير غزوات التاتار ، أن خربت ديار المسلمين بهذا الشكل الهمجى ، أو كان الإسلام أضعف فى دياره ، من زمن الفوضى الوهابية تتلك .

ــ  و إستطال الزمن فى أفغانستان بمنظمات ” الوهابية القتالية ” فهل كان وضعها سيكون أفضل مما حدث فى مناطق وزيرستان القبلية التى إستقر بها جزء من تلك المنظمات بعد فرارهم من أفغانستان ؟؟ . فماذا فعلت القاعدة وتنظيمات الوهابية القتالية فى وزيرستان ، بعد الإحتلال الأمريكى لأفغانستان عقابا لها على “غزوة منهاتن” التى لم تدر عنها شيئا ؟؟!!.

بقلم: مصطفي حامد ابو الوليد المصري ــ الإسكندرية ـ ( 20 / 9 / 2015 )

copyright@mustafahamed.com

المصدر: موقع مافا السياسي

www.mafa.world