نحن و لعبة الشطرنج ـ النقلة الثانية

( حوار فى حلقات مع عابر سبيل 2/2 )
نحن  ولعبة الشطرنج ـ النقلة الثانية :
الولايات المتحدة على المسار السوفيتى

 

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world

 

 { تحدث الأخ عابر سبيل عن إستراتيجية لمواجهة الولايات المتحدة كنت قد طرحتها فى بداية التسعينات وقال أن تنظيم القاعدة قام مشكورا بتبنيها . وفى مكان آخر من رسالته إقترح أن نتحدث عن إستراتيجية مناسبة للعمل الإسلامى } .

من الدروس العظمى التى تبدت أمام أعيننا فى أفغانستان كان هزيمة السوفييت وإنسحابهم من ذلك البلد نتيجة حرب طاحنة إستمرت حوالى عقد من الزمان . ذلك الإنسحاب المنكسر لقوات الجيش الأحمر إضافة إلى نفقات الحرب التى زادت الإقتصاد السوفيتى خرابا وضعفا، أدى إلى تراخى قبضة السوفييت على إمبراطوريتهم الواسعة ، فتفلتت تلك المستعمرات إلى أن إنهار الإتحاد السوفيتى وسقطت الشيوعية فى موسكو نفسها.

بسهولة كان يمكن إدراك تشابه الوضع السوفيتى مع وضع الولايات المتحدة المسيطرة على المنطقة العربية ، والتى منها تستمد أهم عناصر قوتها المالية والسياسية والاستراتيجية. وبواسطة إسرائيل تهيمن الولايات المتحدة على المنطقة العربية كلها وتهدد أمنها وكل مناجى الحياة فيها من أدق الأمور إلى أعظمها . ويمتد النفوذ الأمريكى إلى مناطق واسعة جدا من العالم الإسلامى ، والدول الضعيفة ، حاملا فى جعبته النفوذ الصهيونى المالى والإستخبارى .

كان من المنطقى بعد هزيمة السوفييت أن نستنتج أن علاج أزمتنا المستعصية مع الولايات المتحدة “واسرائيل بالضرورة” هو هزبمة عسكرية لتلك المبراطورية تؤدى بها إلى مصير مماثل للمصير السوفيتى .

وقد كتبت حول ذلك مرات عديدة ـ ولم أكن وقتها على صلة بالصحافة واسعة الإنتشار ـ وكانت لى رسائل إلى الأخ أسامة بن لادن وباقى إخواننا هناك فى السودان ، شارحا لهم تلك الفكرة التى يمكن إعتبارها ” توجه استراتيجى ” ممكن أن تسعى إليه أى استراتيجية تتبناها مجموعة أو شعب أو تحرك جهادى أو حتى غير جهادى . أما الاستراتيجية فهى شئ غير ذلك لأنها تخطيط يرتكز على ظروف محددة فى المكان والزمان والإمكانات المتاحة .

( مجموعة من تلك الرسائل نشرها أحد المواقع الإلكترونية التابعة للبنتاجون بعد أن حصل الأمريكيون عليها من ركام بيت الأخ سيف العدل الذى دمرته طائراتهم فى مدينة قندهار عام 2001 )

وعندما عاد الشيخ أسامة بن لادن إلى أفغانستان بعد أن أبعدته حكومة الخرطوم ، ثم أصدر بيانه الشهير عن إعلان الجهاد لإخراج المشركين من جزيرة العرب ، كان ذلك تطبيقا صحيحا للمبدأ الاستراتيجى أو التوجه الاستراتيجى المذكور، حيث أن العمل على إخراج أمريكا من جزيرة العرب يعنى فى الواقع القضاء على مكانتها الدولية ، بل والقضاء على على إسرائيل فى حقيقة الأمر .

لم يلبث ” بن لادن ” أن أدخل تطويرا على هدفه الاستراتيجى ليصبح إعلان الجهاد “لتحرير المقدسات الإسلامية ” . وكان ذلك تطويرا وتوسيعا للهدف وليس تغييرا أو الخروجا عليه. كان ينبغى بعدها وضع “خطة استراتيجية ” تطبق على مراحل من أجل تحقيق ذلك الهدف.

وبما أنه هدف كبير جدا ، ومقاومة العدو سوف تكون ضاربة ، قدمت للأخ أسامة مقترحا بأن يضع فى إعتباره إشراك “الأمة الإسلامية ” كلها فى تلك المعركة . وهذا يقتضى درجة كبيرة من المرونة فى التخطيط والتطبيق تسع الجميع وتأخذ من كل طرف على قدر طاقته . وبما أنه يتكلم عن المقدسات فإن فلسطين موجودة ، وبالتالى لابد من إدخال “كافة القوى” العاملة من أجل تحرير فلسطين ضمن ذلك المخطط .

وكان من ضمن المقترحات التى قدمتها له حل تنظيم القاعدة أو تنازلة عن قيادته، ويتفرغ هو لذلك المشروع الكبير كرمز ومنسق لمحاورة الكليه وليس خطواته التفصيلية التى تترك لكل طرف محلى حسب ظروفه وإمكاناته.

ولكن الأخ أسامة من أجل تنفيذ ذلك الهدف الكبير وضع لنفسه استراتيجيه خاصة بسيطة جدا ولكنها مخلة للغاية . كان يرى أن أمريكا ضعيفة جدا لدرجة أنها لن تتحمل منه ضربتين أو ثلاث ضربات كبيرة ، فلا داعى للتهويل فى قدراتها بعد أن تجلى ضعفها فى الصومال عندما فرت قواتها هاربة أمام ضربات صغيرة من مجموعات ضعيفة من المقاتلين . كما إتضح ذلك الضعف قبلا فى لبنان عندما هربت من هناك بعد تفجير استشهادى فى مقر قوات المارينز فى بيروت .

إذا إقتنع بن لادن بشئ فلا جدوى من أى مناقشة معه . فمضى فى تنفيذ ما يريد رغم أى إعتراض كان . وقد وجه بالضبط ضرباته الثلاثة . الأولى ضربة مزدوجه فى أفريقيا ضد سفارتى أمريكا فى نيروبى ودار السلام ، والضربة الثانية فى ميناء عدن ضد المدمرة كول والضربة الثالثة والأخيرة كانت ” عزوة منهاتن ” حسب رواية القاعدة .
وفعليا إنتهت حروب القاعدة بل إنتهت القاعدة بعد الضربات الثلاث ، بينما إنفتح مجال العالم أمام إندفاعة أمريكية غاية فى الهمجية والقسوة ضد المسلمين تحديدا ثم باقى شعوب العالم ، من أجل فرض هيمنة عالمية بقوة السلاح وبكافة وسائل الإكراه الإقتصادى والسياسى والإستخبارى ، كل ذلك تحت شعار “مكافحة الإرهاب الإسلامى!!” .

ذلك الإدعاء الكاذب الذى تجتهد القاعدة دوما فى إثبات أنه حقيقة وليس وهما . وكلما خفت قليلا حدة تلك الإدعاءات وزاد من يكتشفون زيفها إنبرت القاعدة بإصدار بيان أو تبنى عملية تافهة فى مكان ما، لتثبت أن أمريكا على حق وأن حربها العدوانية على المسلمين هى حرب مشروعة .

أثار ذلك دهشة واستغراب كثير من المسلمين وغير المسلمين ، حتى لم يجدوا تبريرا لذلك سوى إتهام القاعدة بأنها تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة ، بل وحتى إتهام الأخ أسامة بن لادن بالعمالة للمخابرات الامريكية “!!” . وإدعت بعض المواقع على الأنترنيت أن وثائق ويكيليس حوت إتهاما من هذا النوع . ذلك الإتهام الكاذب ناتج عن الحيرة فى تفسير مواقفة ومواقف الناطقين بإسم القاعدة فى أماكن مختلفة.

وصل الأمر بالكثير من القوى العاملة ضد الولايات المتحدة فى أنحاء متفرقة من العالم أن تعتبر القاعدة فرعا للإستخبارات الأمريكية ، وجزء من استراتيجيتها العدوانية حول العالم واستمرار أكذوبة مكافحة الإرهاب بشكل مبرر .
وطالت الإتهامات التحرك الشبابى الجهادى الذى ناصر الشعب الأفغانى ضد السوفييت فى ثمانينات القرن الماضى ، وأن ذلك التحرك كله كان صناعة أمريكية حشدا وتدريبا وقيادة . فى ذلك إفتراء واضح، أقول ذلك من واقع معايشة ميدانية لكل تلك التجربة من بدايتها وحتى نهايتها .

ـ وقد كتبت عدة مقالات فى السنوات الأخيرة حول حتمية الهزيمة الأمريكية فى أفغانستان ، وما يترتب عليها من إنهيار لإمبراطوريتها حول العالم ، ثم إنهيار أمريكا من الداخل وتفتيتها. كما قلت بأن أمريكا تعيش الهزيمة فعليا فى أفغانستان ، وأنها تدرك تماما أن إنتصارها هناك مستحيل ، ولكنها باقية حتى الآن بسبب عجز الإدارة الأمريكية عن إتخاذ قرار الإنسحاب خوفا من تداعياته الكارثية من الطراز السوفيتى ، وأيضا نتيجة محاور الضغط التى أهمها مافيات المخدرات والسلاح والنفط وهم المستفيد الأهم من تلك الحرب العدوانية . ضعف وتصدع القوة الأمريكية ظهرت تأثيراته فى المنطقة العربية على هيئة إنتفاضات شعبية ضد أنظمة الحكم المستبدة العميلة للولايات المتحدة وإسرائيل .

– وهكذا تكون افغانستان هى الموطن الأصلى لذلك المبدأ الاستراتيجى الهام وهو :

(الهزيمة العسكرية التى تؤدى إلى تفكك الإمبراطورية الإستعمارية فى الخارج ومن ثم إنهيارها من الداخل). وشعب أفغانستان المجاهد هو صاحب التطبيق المثالى لها . وكان يمكن أن تثبت العراق وجهاد شعبها نفس المبدأ لولا أن قوى مسلحة إنحرفت بالجهاد العراقى العظيم إلى إقتتال طائفى بغيض أفشل الجهاد لصالح البرنامج الأمريكى الإسرائيلى فى العراق. ولا يشك أحد ان القاعدة ومعها “القادمون الجدد” أو ” القاعديون الجدد” كانوا ضمن أطرافا عديدة داخلية وخارجية، سنية وشيعية، أسست عن سبق إصرار لذلك الإنحراف الذى وهو جزء من برنامج إسرائيلى كبير (لتأمين المنطقة) بواسطة صراعات وحروب داخلية على أسس من الطائفية والعرقية والمذهبية لمنع إتحادها ضد إسرائيل وتحرير فلسطين.

نفس ذلك الإنحراف ظهر فى منطقة وزيرستان القبلية وعلى يد نفس التركيبة من المجموعات ، فأحدثوا شرخاً فى أوساط حركة طالبان الباكستانية وفصلوا قطاعا منها عن الإمارة الإسلامية فى أفغانستان ، وأبعدوا بسياساتهم /أو بمعنى أصح تفجيراتهم/ الطائفية والمذهبية ، الشعب الباكستانى عن جهاد القبائل ضد الطغيان الحكومى والعدوان الأمريكى . والنتيجة كانت شرزمة وتفتيت الحركة الجهادية فى تلك المناطق بعد إندفاعة كبيرة أحرزتها فى بداية عملها، أى نفس ما حدث فى العراق تقريبا.

ولكن ذلك لم يحدث فى أفغانستان، حيث ظل الجهاد هناك متماسكا قويا موحدا يجمع كل الشعب الأفغانى، فكان فى ذلك أكبر دليل على أن القاعدة ليست هناك .

وذلك عكس إدعاءات البعض بأنها هناك شريكا وربما قائدا للجهاد . وذلك إدعاء خال تماما من الصحة كما أنه ضار للغاية سياسيا ومعنويا على جهاد أفغانستان ، بل يعتبر عنصرا داعما للعدوان الأمريكى الذى يدعى أنه متواجد هناك كى يطرد القاعدة .

ـ فلماذا تقدم القاعدة الدعم السياسى والأخلاقى للعدوان الأمريكى على أفغانستان ؟؟.
هل ذلك لرفع معنويات الشباب المسلم حتى لا يترك الجهاد ؟؟ أم لضرب جهاد الشعب الأفغانى الذى تسببت القاعدة فى توريطة فى حرب ضارية مستمرة منذ عشر سنوات أهلكت الحرث والنسل ؟؟ .

صحيح أن عدة عشرات من منتسبى القاعدة تواجدوا فى بدايات الحرب مع المجاهدين فى أفغانستان ، ولكنهم لم يعملوا خارج قيادة وسيطرة المجاهدين الأفغان . ولا ندرى كم تبقى من هؤلاء الأبطال الآن . ولكن القدرة الكبيرة على السيطرة والقيادة التى أظهرتها حركة طالبان والإمارة الإسلامية منعت تعدد الأقطاب والقيادات، وجعلت أى متطوع “إن وجد ” خاضعا للقيادة المركزية للجهاد وليس لأى قيادة خارجية أو تنظيم كان تابعا له قبل تطوعه .

ـ وليس صحيحا أن “القاعدة ” هى الحليف الأوحد لحركة طالبان . فبسبب الغزو السوفيتى توافد على أفغانستان عشرات الألوف من الشباب للجهاد مع شعبها . والآن لو أن الحصار المضروب على الحدود جميعها قد رفع ، لتوافد مئات الألوف من الشباب المسلم على أفغانستان للجهاد مع شعبها ضد الغزاه الأمريكين والأوربيين .
أفغانستان التى أسقطتها القاعدة فى براثين الإحتلال تعرضت لخيانات من جانب حركات إسلامية ضخمة

وشهيرة / وعلى رأسها الحركة الدولية للإخوان المسلمين / وليس فقط جميع الدول الاسلامية. فالحركات العريقة التى أفتت بالجهاد وتدافعت إلى (ميادين العون الإنسانى وجمع التبرعات) أثناء الغزو السوفيتى ، خرست ألسنتها الآن عندما أصبح الغزو أمريكيا ، وكأنه غزو حلال بينما الغزو السوفيتى فقط هو الحرام شرعا .

بل أن رموزا أفغانية لتلك الحركات الإسلامية الضخمة العريقة هم الآن أركان أساسيون فى النظام الأمريكى الحاكم فى كابول (مثل سياف وربانى ومجددى ،وآخرون أقل شهرة) .

(هذا يدفعنا لأن نتساءل عن حقيقة مشاركة الإخوان المسلمين فى ثورة مصر . وحتى نفهم موقفها هناك بشكل صحيح فيجب عليها أولا أن تشرح موقفها من جهاد أفغانستان وسوريا فى ثمانينات القرن الماضى ، ودورها فيما وقع من مهازل بل خيانات وخطايا إرتكبتها عن سبق إصرار وترصد ، رغم تحذيرات كثيرة وقوية من داخل صفوف الحركة وخارجها . وبدون تقديم كشف حساب للشعوب عن الماضى فلا يمكن الثقة حاضرا أو مستقلا فى تحركات ذلك الفصيل السياسى خاصة ما يقال عن إتفاق خفى بين حركة الأخوان والجيش /الذى ما زال يمثل نظام مبارك فى مصر/ على حساب باقى قوى الثورة ، ونسمع عن مثل ذلك فى اليمن ) .

 

ضرب المدنيين كورقة مساومة فى الحرب
فى إطار سياسة الردع أو التصعيد المتبادل

رأت القاعدة أن إستراتيجية إستهداف أمريكا يعنى شكلا وحيدا من العمل وهو إستهداف المدنيين على غرار ما حدث فى (غزوة منهاتن !! ) أو محاولات تفجير الطائرات فى الجو أو التجمعات السكانية فى المدن على غرارعمليات وقعت فى أسبانيا وبريطانيا.

فما هى مكانة إستهداف المدنيين فى الحروب ؟؟
معلوم أن الطرف الأقوى فى الحرب هو الذى يضع قوانينها ، ويعطى تفسيراته الخاصة لكل ما هو متعارف عليه من قوانين فى الحرب أو غير الحرب .

فإذا تعادلت القوى ظهر ما يطلق عليه توازن الرعب . وهو ردع متبادل يؤدى إلى تحييد أحد الأسلحة فيمنع إستخدامها ، أو يمنع إستهداف أشياء بعينها، مثل التجمعات السكانية أو السدود أو محطات توليد الطاقة أو الموانى البحرية التجارية .. الخ.

وهناك أسباب عديدة تدفع أحد الأطراف إلى كسر حاجز الردع فيقتحم الممنوع ، فيقابله الطرف الآخر بإجراءات مماثلة ، فتكون الحرب قد دخلت مرحلة من التصعيد . فالردع إن لم يكن رادعا بالفعل فإنه يؤدى إلى التصعيد .
فقط السلاح النووى هو الذى أدى الى وقف الحرب بين الدول النووية وجعلها تبحث عن طرق ووسائل أخرى لتصفية الحسابات وخوض الصراع على الموارد والأسواق والنفوذ . فظهرت الحروب بالوكالة ، وحروب الجاسوسية فى مجالات شتى أهمها الإقتصادى والتكنولوجى ثم العسكرى والسياسى، وأخيرا تحريك الإضطرابات الإجتماعية وحرب الثورات الملونة من برتقالى إلى أخضر ، ومثلها ثورات الزهور من القرنفل إلى الياسمين والبردى ومازال هناك الكثير.( عن التصعيد والردع المتبادل هناك المزيد فى كتاب حرب المطاريد )

الاستخدام الخاطئ لمبدأ العمل الخارجى واستهداف المدنيين

نذكر أن بن لادن بدأ بطرح استراتيجى هو تحرير جزيرة العرب والحرمين الشريفين ، ثم تطور الى تحرير المقدسات الإسلامية ليشمل فلسطين . وآخر أطروحاته التى أعلمها كانت تقول بإستهداف المدنيين الأمريكيين فى كل مكان.
لا وصف يجمع كل ذلك سوى كلمة “تخبط” . لأن الهدف الاستراتيجى ينبغى أن يكون ثابتا على الدوام . والآن مازال من ينطقون بإسم القاعدة يدافعون عن “استراتيجية ” ضرب العدو فوق أراضيه أو فى أى مكان . وهو ما يطلق عليه “العمليات الخارجية” أى التى تستهدف العدو خارج منطقة الصراع . مع ملاحظة أن القاعدة هى تنظيم خارجى نشأ على هامش قضية أفغانستان، أى خارج المنطقة العربية التى لم يكن يستهدف فيها عدوا محددا .
فمتى تلجأ حركة او مجموعة ما إلى العمليات الخارجية ؟ ..

ـ يحدث ذلك من أجل جذب الأنظار إلى قضية منسية عالميا ولفت النظر إلى أهميتها وخطورتها ومعاناة شعب معرض للأخطار وهضم الحقوق ، وفى نفس الوقت تكون القدرة على العمل المقاوم على أرض الصراع منعدمة أو غير كافية. ” مثل المقاومة الفلسطنية فى سبعينات القرن العشرين ، والمقاومة الشياشانية حاليا “.
ـ الإنتقام لضحايا مدنيين قتلوا وشردوا وسجنوا ، وأوطان سلبت، من جراء غزو خارجى تمكن من السيطرة بالفعل ولا سبيل لإستخلاص الحقوق منه كونه يحظى بتواطؤ دولى.   (وهى حالة مرشحة لها قضية فلسطين فى القرن الحادى والعشرين).

وقبل ظهور القاعدة لم يعرف عن تحول حركة تحرير إلى العمل الخارجى كوسيلة وحيدة لنيل الإستقلال أو تحرير الوطن . إذ لا يمكن تحرير جزيرة العرب من الإحتلال الأمريكى والتواجد المهيمن لإسرائيل بمجرد عمليات خارجية فقط ، ولكن العمل الخارجى قد يصاحب حرب عصابات (أو ثورات شعبية إن كانت ممكنة ومناسبة) على الأرض المحتلة ، من أجل الإسناد وسد العجز وللدعاية السياسية ، ” كما فى حالة ثورة إيرلندا ضد الإنجليز ” .

إستهداف المدنيين فى الحروب التقليدية :
منذ الحرب العالمية الثانية أصبح ضرب المدنيين هدفا قائما بذاته . وذلك لأسباب تقنية واقتصادية وعسكرية ونفسية .

تقنيا : صار ذلك ممكنا بعد إختراع الطائرة التى يمكنها تخطى خطوط الدفاع بسهولة والوصول إلى أى مكان داخل أراضى العدو .

إقتصاديا : مع تطور وسائل الإنتاج أصبحت المساهمة المدنية فى الصناعات عاملا هاما فى قوة الدولة إقتصاديا وعسكريا . لهذا صارت تلك التجمعات الإنتاجية هدفا عسكريا هاما فى الحروب .

عسكريا : ضرب تجمعات المدنيين يضعف معنويات الجيش . فالجنود فى الجبهات يشعرون بالقلق على أهاليهم فى داخل الوطن وبالعجز عن حمايتهم . ويضطر الجيش إلى سحب قوات إلى الخلف للدفاع عن المدنيين ضد الطيران وهجمات قوات المظليين.

نفسيا : قد يكون التأثير النفسى البحت هو سبب توجيه الضربات الجوية بهدف بث اليأس فى نفس العدو وإقناعة بالخضوع المطلق والأبدى . كما حدث عندما إستسلمت ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية فقام الأمريكيون والبريطانيون بقصف المدن الألمانية بالطيران لمدة شهر كامل فيما أسموه “حملة القصف الاستراتيجى ” فدمروا ما تبقى من البنية التحتية وقتلوا عشرات الألوف من المدنيين الألمان.

ويمكن قول الشئ نفسه عن قصف اليابان بالقنابل النووية بعد أن كانت قواتها العسكرية خاصة الطيران والأسطول قد تم تدميرهما تماما، ولم يكن هناك أى مبرر عسكرى لذلك التصرف سوى إرعاب الشعب اليابانى إلى الأبد ، وإقناع شعوب العالم أجمع بأن القوة الأمريكية لا تقهر ولا نجاة لأحد سوى بالإستسلام لها بلا قيد أو شرط .
إستهداف المدنيين لوقف المقاومة

أحد أهم مفردات مقاومة حرب العصابات هى إستهداف المدنيين ، وبث أقصى درجات الرعب واليأس فى قلوبهم لمنعهم من الإنخراط فى المقاومة أو مساعدة الثوار .

يتمثل ذلك فى حده الأقصى بسياسة الأرض المحروقة / أى حرق القرى تماما وتدمير الحقول والأشجار / وهو ما يجرى حاليا فى أفغانستان خاصة فى ولاية قندهار وهلمند وغزنى ومناطق أخرى كثيرة من ذلك البلد.وقد نفذ السوفييت سياسة مماثلة أدت إلى تهجير حوالى ستة ملايين أفغانى من قراهم.

وقد سبق للإستعمار الأمريكى فى فيتنام أن إستخدم الغازات السامة والمواد الكيماوية ضد القرى ولتدمير الغابات حتى يكشف طرق تسلل الثوار ما بين شمال وجنوب فيتنام .

وغالبا ما يمتد إستهداف المدنين فى جوار منطقة الصراع وحيث يمكن أن يلجأ الثوار إلى قواعد آمنة لإقامة مراكز إدارية بشكل سرى أو علنى . وهذا ما فعله الجيش الأمريكى بتوسيع عدوانه على فيتنام الجنوبية ليصل إلى شمال فيتنام ثم الدول المجاورة فى كمبوديا ولاوس . وكما تفعل أمريكا الآن فى ضرب مناطق القبائل الباكستانية فى وزيرستان .

ـ السوفييت فى أفغانستان قتلوا حوالى مليونى إنسان من الشعب الأفغانى لقمع جهاده .
ـ والأمريكييون قتلوا فى العراق منذ حصاره وإلى ما بعد الغزو ما يقارب 3 ملايين عراقى.
ـ والإسرائيليون فى فلسطين جرائمهم ضد المدنين هناك مستمرة منذ أكثر من ستين عاما وتفوق الحصر.
ولا ننسى أضعاف تلك الأرقام من المصابين بعاهات مستديمة والمعتقلين المؤقتين والدائمين وحوادث التعذيب لملايين السكان .
ـ ولم نذكر بالطبع المجازر البشعة التى راح ضحيها عشرات الملايين من شعوب أمريكا الجنوبية وأفريقيا ، فى القرن الماضى فقط ، على يد الإستعمار الأمريكى والأوروبى فى حروب منسية /صاخبة وصامته/ وإظلام إعلامى شامل وصمت دولى مطبق.

حق المعاملة بالمثل :
كل ما سبق يشكل مبررا أخلاقيا لتلك الشعوب كى تعامل العدو بالمثل وتستهدفه فوق أراضية وتضرب أهدافة الإقتصادية والمدنية . ولكن إعتبارات عديدة تمنع وقوع ذلك فى غالب الأحوال ، مثل :

العقبات الفنية :
فى الجانب الإستخبارى تقدم العدو بشكل غير مسبوق ، فى النواحى التكنولوجية والعلمية و الخبرات الفنية المتراكمة عبر عقود من حروب إستخبارية لا تنقطع .
والعدو يكون فى أقوى حالاته فوق أراضيه نفسها ، لذا فإن تحدية هناك يكون عملا غاية الصعوبة ، خاصة من جانب عناصر غريبة عن البلاد ولا تتمتع بمعرفة تذكر فى أساسيات العمل الإستخبارى . فتكون ضحايا سهلة وساذجة ومدعاه للسخرية. ويتم إستخدامها واستدراجها وإحراز إنتصارات مدوية على حساب بؤسها الحركى وتخلفها الشامل .
وما يؤكد ذلك هو عجز تلك التنظيمات ” وفى مقدمتها القاعدة ” عن تنفيذ عملياتهاهناك ، فيما عدا عمليات لفقتها أجهزة تلك الدول لأسباب سياسية واستدرجت إليها أفراد متحمسين وأحيانا مشبوهين .
الذي كسر تلك القاعدة كان المجاهدون الشيشان الذين استطاعوا تكرار ضرباتهم داخل روسيا. والسبب هو إندماجهم فى النسيج الإجتماعى والعلمى والثقافى الروسى ، فليسوا وافدين عليها من الخارج.
ويوم أن تبدأ مكونات المجتمع داخل الولايات المتحدة وأوروبا فى الثورة على أنظمة الحكم فى بلادها، فسوف يشهد العالم حرب تحرير لم يسبق لها مثيل . ولن تكون حربا إسلامية بأى حال ، ولكن حربا طبقية إجتماعية عرقية مذهبية .

عقبة الإفتاء
وذلك بالنسبة للمجموعات الإسلامية التى تتبنى ذك النوع من العمليات . وعقبة الإفتاء تتفرع من أصل أصعب وهو معضلة الإجتهاد . فقد تعطل العلم الدينى الحقيقى بعد إستيلاء المستعمر على الجامعات الإسلامية الكبرى بواسطة أنظمة الاحتلال الداخلى وحكومات الفساد والقهر . والنتيجة كانت إنفلات فوضوى لعملية الفتوى ما بين مصادر حكومية تعمل مع الإستعمار بشكل مباشر أوغير مباشر، و مصادر أهلية متمردة على الوضع القائم ولكنها لا تمتلك قدرة على الإفتاء الحقيقى فاتخذت أئمة خاصين بها نهلوا العلم فى مكتباتهم الخاصة وأحيانا من قصاصات عشوائية متبقية من كتب قديمة. فى حالات أخرى قليلة تولى الإفتاء مخلصون ينقصهم الفهم الضرورى بواقع الحياة المعاصرة ، خاصة أمور السياسة التى نفذت فى كل شئ ، والإقتصاد الذى صار معبود البشرية وغاية أنظمتها .
أما إذا كانت الحرب هى موضوع الفتوى فلا نكاد نجد مفتيا يدرى عن أمورها شيئا. وينقل الجميع تقريبا فتاوى صدرت خلال حروب قديمة فى ظروف أندثرت تماما .

ـ وحتى الآن لا يرتكز أحد من المجموعات الجهادية على فتوى من مصدر يمكن الأطمئنان إليه حول مشروعية العمليات العسكرية على أرض العدو / خلف البحار / لتستهدف إقتصادة وسكانه ومشروعاته .
عقبات سياسية

النظام الحاكم فى الولايات المتحدة تحديدا وأوروبا بشكل عام يعانى من أمراض مستعصية إقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا . وهو مهدد باضطرابات وثورات داخلية تقضى عليه . وتلك الأنظمة فى أشد الحاجة إلى ” عدو خارجى ” حقيقى أو مصنوع من أجل إقناع شعوبها بأن النظم الحاكمة تحافظ على “الإستقرار والأمن الداخلى”. وهى نفس حجج الأنظمة العربية التى تقاوم الثورات حاليا ، وتلك الأنظمة لديها أجهزة إرهاب دولة منظم يعبث بالأمن العام والخاص للمواطنين حتى يتمكن النظام من بيع خدماته الأمنية للشعب . إنها اللعبة الكبرى التى تقوم بها أنظمة أمريكا والغرب على النطاق الداخلى والدولى .

ـ إن حاجة الأنظمة الغربية للعمليات “الإرهابية ” فوق أراضيها أشد من حاجة أى طرف خارجى أو جماعات جهادية . فالعدو يمتلك القدرات الإعلامية التى تضخيم حجم وفاعلية ذلك “الإرهابى” المتهافت أو المصنوع ، والمبالغة فى تأثير عملياته مهما كانت تافهة. وقد رأينا كيف يصنفون بضع جرامات من البارود فى كعب حذاء بأنها أسلحة دمار شامل “!!” . النتيجة هى تلاحم تلك الشعوب مع أنظمتها المستبدة من أجل دفع ذلك الخطر الموهوم أو المصطنع. فتقبل الشعوب بإنتقاص حقوقها الدستورية والعدوان على حرياتها الشخصية ، بل وتدهور حالتها الإقتصادية فى سبيل الحصول على الأمن .

كل تلك المكاسب الهائلة التى تحصل عليها حكومات الغرب الإستبدادية ماكان يمكن أن تتم بغير عدو، وعمليات “إرهابية ” غير ذات تأثير حقيقى . مع أنها أحيانا لابد أن تحقق بعض الخسائر فى الأرواح والممتلكات حتى تكون مقنعة للشعوب الغربية المستهدفة بأن هناك خطر “إرهابى ” حقيقى يستحق الأثمان المبذولة من الحرية الشخصية والتدهور الإقتصادى والميزانيات العسكرية والأمنية المبالغ فيها.

ونلاحظ أن الخسائر المالية “لغزوة منهاتن” كانت كبيرة بالفعل، وكان مطلوبا أن تكون كذلك حتى تكون كافية للتغطية على إنقلاب حقيقى وتاريخى على الدستور الأمريكى ، قام به قادة الجيش وأجهزة الإستخبارات ، تحت ستار الدخان والغبار الكثيف المنبعث من أبراج منهاتن وحالة الرعب التى أثارها الحادث مع تهويلات الإعلام الصهيونى المسيطر . إدى الإنقلاب إلى إقامة فاشية حاكمة فى الداخل  وانطلق حكم إستبدادى فاشستى أمريكى فى العالم كله يعبث بمقدراته وشعوبة إلا ماندر منها . وتقف شعبوب أمريكا وأوروبا خلف حكوماتها فى تلك المغامرات العسكرية معتقدين أنها توفر لهم الأمن. ويقف كل مسئول من الدول الإستعمارية وسط جنوده فى أفغانستان مخاطبا إياهم أن حربهم “ضد الإرهابيين” فى ذلك البلد توفر الأمن للمدن فى أرض الوطن !!.

الخلاصة هى أن العمليات على أرض العدو تصب فى مصلحة الأنظمة الحاكمة هناك فهى صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة فى وجود تلك العمليات وديمومتها، وإن لم تجدها فسوف تصطنعها بنفسها أو تورط فيها “الآخرين” بإستدراجهم كما إعترفت أجهزة أمريكية بذلك، وكماهو واضح من ضعف وركاكة عدد من تلك العمليات بحيث تفضح هوية القائمين عليها وأنها عمليات سياسية من أجل التأثير الداخلى على المواطنين فى ظروف معينة .

ـ صناعة مجموعات “إرهابية إسلامية” محلية فى دول العالم الثالث، تستهدف الأراضى الأمريكية والأوروبية هى موضع إهتمام تلك الأنظمة لتبرير غزواتها الدولية من العمل العسكرى إلى التخريب الإستخبارى والسيطرة السياسية والإقتصادية . ومجهودات تلك الدول مشهودة فى عدة مناطق فى العالم الإسلامى من أجل “إستنبات” مجموعات جهادية “!!” فى مناطق تمتد من وزيرستان وحتى الصومال وغرب أفريقيا، فى محاولات لإيجاد بديل عن القاعدة أو مساندين لها بعد أن تبدى ضعفها فى قيادة (إرهاب إسلامى عالمى ) كانت تطمح الولايات المتحدة ودول حلف الناتو فى وجوده واضحا. لكن دور القاعدة تلاشى تقريبا بعد غياب قائدها أو إحتجابه الإجبارى ، واستشهاد جميع الكوادر القديمة فيما عدا عدد محدود للغاية متناثر فى سجون بلاد عديدة ، فلا بد أن يساند القاعدة أحد فى خط “العمل الخارجى وعلى أرض العدو”.

الشعب الأمريكى “يريد إسقاط النظام”

– شعار”مكافحة الإرهاب الإسلامى” أصبح جزء أساسى من الإستراتيجية الدولية للولايات المتحدة وبدونه تصبح تحركاتها مكشوفة ومعرضة للهجوم الشعبى فى العالم كله . بل يصبح النظام الأمريكى نفسه مكشوفا فوق الأراضى الأمريكية ويظهر التناقض الرئيسى بينه وبين الشعوب الأمريكية المضطهدة . والحل الأمثل هو ترك التناقضات الداخلية تفعل فعلها فى المجتمع الأمريكى والأوروبى وأن يتوقف “الجهاديون” عن مجرد التفكير فى توجيه أى عمل عسكرى هناك. فالأجدى هو دعم التحركات الشعبية المضادة للأنظمة الغربية ، وذلك بوسائل دعائية وسياسية ، مع إبعاد العنصر الإسلامى هناك عن خضم ذلك الصراع حتى لا تتآلف باقى القوى ضده وتنسى هدفها الأساسى فى تغيير النظم الحاكمة .

إن بداية النجاح هو ظهور شعار الثورات العربية فى العواصم الأمريكية والأوروبية، شعار (الشعب يريد إسقاط النظام ) . وتلك الشعوب لديها من الخبرات الفنية والتنظيمية والسياسية والوسائل المادية ، ما يمكنها من تنفيذ ذلك الهدف الذى سوف يجمع حولها كل شعوب العالم.

الإستعداد للإحتمال الأسوأ
كل ذلك لا يعفى قيادات الشعوب والثورات التى تقاوم الولايات المتحدة والناتو من إعدد أقوى ما لديها من وسائل للرد على الوحشية الأمريكية فى إستئصال الشعوب . فلو تأكد العدو أن الشعوب لاتمتلك إمكانية الرد المماثل فإنه لن يتردد فى ممارسة أساليب / واضحة أو ملتوية/ للإبادة الجماعية، خاصة فى أوقات الحروب .
ونضرب مثالا بما فعله حزب الله فى لبنان حين وجه تحذيرا إلى إسرائيل بأن قصف بيروت أو الضاحية الجنوبية بالطيران سيكون الرد عليه هو قصف تل أبيب بالصواريخ . فلابد أن توجد وسائل ردع شبيهة بذلك تكبح جماح الولايات المتحدة وحلف الناتو من تحويل شعوبنا بشكل متتابع إلى حضارات بائدة مثلما فعلوا بالهنود الحمر. ومن أجل ذلك الهدف تراكم الدول القوية ترسانات من أسلحة الدمار الشامل كى تحمى سكانها وقت الحرب، ولضمان عدم إزالتها من الوجود على أيدى قوى أخرى تمتلك نفس القدرات، ومن أجل تهديد من هم أضعف منها من الشعوب ، ولكسب مكانة وهيبة دولية.

 

بقلم  :
مصطفي حامد (ابو الوليد المصري)
المصدر  :
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world