مهزلة خصخصة الأمن والدفاع

تحول المجتمع الأمريكي إلى مجتمع أقلية فائقة الثراء تسيطر عبر المال على كل مرافق الدولة، وتضع المجتمع تحت المراقبة الأمنية الدائمة والشاملة للأفراد من أجل شل حركتهم صوب أي تغيير اجتماعي يهدف إلى إعادة توزيع الثروات وإعادة السلطة إلى الشعب حسب إدعاءات الديمقراطية، التي ظهر أنها كانت مجرد ستار لتمرير سيطرة الحاخامات على البنوك وثروات الدولة وسلطاتها التنفيذية، وتكبيل المجتمع بأفكار منتقاة يبثها إعلام تم شراؤه وبرمجته لصالح أقلية سياسية ودينية تحتكر الثروة والسلطة.
#  تنتقل “الصراعات” الأمريكية إلى باقي دول العالم، عبر الهيمنة الاقتصادية والسياسية على الآخرين، وهي هيمنة قد يدعمها وجود عسكري تعبر عنه قواعد عسكرية، أو يفصح عن نفسه بوضوح أكثر عبر احتلال عسكري مباشر كما في أفغانستان والعراق حاليا.
#   الحروب تشن من أجل مصالح تلك الأقلية التي تحتكر الثروة والسلطة والثقافة والإعلام والأمن والدفاع، فحولت كل ذلك إلى مشاريع استثمار وليس إلى خدمات تقدم إلى المجتمع.
فالحروب على حيازة منابع المواد الخام وأسواق توزيع المنتجات الصناعية والسيطرة على الطرق والمعابر والمواقع الإستراتيجية التي تحرس شرايين التجارة ومناطق النفوذ وتضمن الهيمنة والتفوق في المنافسة الدولية بين الأقوياء بعضهم البعض أو بين الأقوياء مجتمعين ضد فقراء العالم المتطلعين إلى العدالة واسترداد حقوقهم المشروعة في ثروات  بلادهم وتقرير مصائر أجيالهم.
ولايات المافيات الأمريكية المتحدة :
لا تحتاج الولايات المتحدة إلى (أجهزة وطنية) من أي نوع بل تريد شركات تبحث عن الربح، فلم تعد هناك مؤسسات دولة يعتد بها إلا في حدود خدمة الشركات الكبرى العاملة من أجل تكديس الثروة إلى ما لا نهاية، مهمة الحرب تحولت في جوهرها إلى  شركات مرتزقة قوية بها خبرات عسكرية مركزة، بينما الجيش الرسمي لا وزن له بدون دعم وإسناد شركات الحرب الخاصة، فالجيش قائم على التعاقد مع الأفراد الهامشيين في المجتمع، من فقراء وملونين ومهاجرين يبحثون عن لقمة عيش أو عن وطن بديل لأوطان طردهم منها الفقر أو الاضطهاد، وهي عوامل صنعتها أيضا الولايات المتحدة وفرضتها على الكثير من بلاد العالم، فتحولت تلك البلاد إلى مورد هائل للقوة العاملة التي ترفد الاقتصاد الأمريكي والأوروبي بالأيدي العاملة الرخيصة، وأيضا بالجنود المرتزقة والمخبرين والمترجمين.
#   الاحتلال الأمريكي نقل إلى أفغانستان نفس النظام حرفيا أي شركات مرتزقة قوية وجيش (وطني) ضعيف من المهمشين.
شركات المرتزقة ونتيجة لظروف المجتمع الأفغاني لم تتوفر لها الخبرات المهنية التي تجعلها مميزة حرفيا، بل تأثرت بالقبلية والتعصبات الشائعة والفساد الضارب أطنابه في كل شيء يمت إلى الاحتلال بصلة.
فقوة شركات المرتزقة لا تعود إلى كفاءتها بل إلى توفير سند سياسي يدعمها في إدارة كابول يمكنها من توقيع عقود مجزية مع الحكومة المحلية ومع سلطات الاحتلال، لهذا فمعظم تلك الشركات التي توظف حوالي 46 ألف مواطن مملوكة لكبار موظفي الدولة.
وعملية تجنيد العناصر تعتمد على الولاء القبلي، وعلى حالة الفقر والبطالة التي تتيح منح رواتب ضعيفة في مقابل خدمات متدنية يقدمها عناصر غير متعلمة وغير مدربة بشكل كاف.
لذا فشركات الأمن المحلية تعتبر مستودعا للجريمة المنظمة والمدمنين على المخدرات ولأشخاص منبوذين اجتماعيا، بل هم أقرب إلى الميليشيات القبلية القديمة التي أنشأها السوفييت فكانت وبالا على الشعب وعلى النظام، وساهمت /بغير قصد/ في إسقاط النظام الشيوعي في أواخر أيامه في أفغانستان، والآن تعطى سياسة خصخصة الأمن والدفاع أثارها المريرة على نظام الحكم في كابول، وعلى مصير الاحتلال الأجنبي لهذا البلد.
فهذه الشركات تعرقل بالفعل أي مجهود لتشكيل جيش حقيقي أو أجهزة أمن مقتدرة، بل أدت إلى تضخيم مناخ الفوضى الشاملة في مناطق سلطة الاحتلال ونظام كابول.
ولولا قدرة الإمارة الإسلامية، وجهازها الحركي “طالبان” لضربت الفوضى كل البلد بأكثر مما كان عليه الحال في عهد الفوضى الشاملة إبان حكم “ربانى” وعصابة زعماء الأحزاب الذين كانوا حوله، وهكذا يمكن القول أن الإمارة الإسلامية هي التي تحمى أفغانستان الآن من الفوضى والتقسيم، بينما قوات الاحتلال والنظام التابع لها تشكل عوامل هدم في البناء الأفغاني.
وعلى هذا الأساس ينبغي النظر إلى الاحتلال الأمريكي ونصف مليون مسلح يعملون تحت إمرته في أفغانستان ما بين قوات أمريكية وأوروبية وقوات حليفة وأخرى عميلة.
ويشكل عنصر الارتزاق /الشركات الأمنية/ العنصر الجامع بين كل هؤلاء فهو عماد القوة البشرية العاملة في مشروع الاحتلال.
شركات الأمن تتحول إلى حكومات صغيرة :
#   نظام المرتزقة المحليين يمنع تشكيل جيش وطني أو أجهزة أمن وطنية، بسبب أن شركات الأمن الخاصة توفر رواتب أعلى، وانضباط أقل مع الخدمة في نفس موطن الأفراد في غالب الأمر، أي أنهم لا يغتربون عن مناطقهم إلا قليلا.
وجود تلك الشركات بهذا العدد الضخم لا يعرقل فقط أعمال الدولة بل يمنع ظهور الدولة أصلا، لأن تلك الشركات تتولى أهم مسئوليات الدولة وهي الدفاع والأمن، ثم تتعامل مباشرة مع القوى الدولية والهيئات الخارجية أي أنها تمارس السياسة الخارجية أيضا، ثم بطبيعة عملها تمارس عملا سياسيا داخليا بالتفاهم مع القبائل والشركات الأجنبية والسفارات وجيوش الاحتلال وتوقع مباشرة عقودا مع البنتاجون والأمم المتحدة وهيئات العون الدولية، فماذا تبقى للدولة من مهام  كي تقوم بها؟؟.
تشعر سلطات الاحتلال الأمريكي بمرونة أكثر في التعامل مع مجموعة أطراف متفرقين ممزقين يتنافسون على خدمتها والتزلف إليها، فذلك أفضل لها من التعامل مع حكومة واحدة قوية حتى ولو كانت موالية لها.
ومحاولات كرزاى التخلص من الشركات الأمنية الأجنبية والمحلية هو في جانب منه محاولة لاستعادة أجزاء من السلطة المتناثرة في يد تلك الشركات بما جعل حكومة كرزاى صورة فارغة من مضمون السيادة والسلطة.
وتلك المحاولات الفارغة لن تؤدى إلى أي تغيير حقيقي في الوضع القائم للشركات الأمنية، إلا في إدخال تعديلات شكلية يوافق عليها الاحتلال.
ولكن تلك المحاولات هي جزء من محاولة تسويق العميل “كرزاى” القادم على ظهر طائرات الأباتشي على أنه زعيم وطني يدافع عن مصالح الشعب ضد تعديات الاحتلال وتعديات المجاهدين (!!) التي تزهق أرواح المدنيين الأبرياء ـ ثم يتهم أيضا شركات المرتزقة بأنها تمارس (الإرهاب) وتشن هجمات إرهابية ضد المواطنين.
ذلك الخلط القريب من الهذيان يفيد كرزاى جزئيا في عملية التسويق آنفة الذكر، كما يفيده شعبيا في مجال المنافسة المشتعلة بينه وبين منافسيه، الذين عقدوا بسرعة تحالفاتهم الإقليمية والدولية من أجل إسقاط كرزاى.
منافسة على الدعم الخارجي:
كرزاى يواجه الآن منافسا قويا هو المرشح الرئاسي السابق (عبد الله عبد الله) ومعه شخصيات أمنية بارزة طردها كرزاى من حكومته بعد أن حقق المجاهدون اختراقات أمنية كبيرة ومحرجة للنظام خاصة في الهجوم على اجتماع (جيركا الاستشاري) في كابول في شهر يونيو الماضي أثناء إلقاء كرزاي لخطاب “تاريخي” في المؤتمر الذي تحول إلى مهزلة كبرى.
تلك الشخصيات الأمنية هي “أمر الله صالح” رئيس جهاز الاستخبارات السابق، و”حنيف أتمر” وزير الداخلية السابق.
والشخصيات الثلاثة، ورأسهم السياسي هو عبد الله عبد الله،  يؤسسون الآن حزبا سياسيا جديدا تحت أسم (الحزب الديمقراطي الأفغاني)، وهو حزب تفيد الأنباء الواردة عنه أنه مدعوم من الحكومة الهندية ومن السفير الأمريكي السابق والعضو البارز في المحافظين الجدد زلماي خليل زاد الأفغاني الأصل.
وتقول الأنباء أيضا أن رجلي الأمن، صالح وحنيف أتمر، قاما بزيارة نيودلهي في شهر سبتمبر الماضي لترتيب مسألة إعلان ذلك الحزب الجديد وخطه السياسي وطرق تمويله.
(الحزب الديمقراطي الأفغاني) المزمع إنشاؤه بزعامة عبد الله، بدأ ممارسة “اللعبة الديمقراطية” كمنافس قوى لكرزاى، وذلك الحزب كما هو واضح يمثل “تحالف الشمال” السابق والذي استورد الاحتلال والديمقراطية الغربية إلى أفغانستان لقاء مبلغ خمسة ملايين دولار فقط لا غير، قبضها قادة التحالف لقاء عملهم كقوات أرضية للغزو الأمريكي، وهي صفقة تاريخية بكل المقاييس، ومسجلة بالصوت والصورة، وسوف تظل راسخة بحروف من قطران في سجلات التاريخ.
ومع ذلك كان نصيب التحالف هو التهميش وتراجعه إلى قوة من الدرجة الثانية أو الثالثة على الساحة الرسمية الأفغانية في مواجهة كرزاى الحائز على الجنسية الأمريكية وصاحب العلاقات المتميزة للغاية مع المخابرات المركزية واحتكارات النفط الأمريكية.
كرزاى الذي استوعب العمل السياسي المرتبط  بعصابات المافيا والجريمة المنظمة، وهو فن أمريكي عريق، وزاد أصالة وعمقا مع المحافظين الجدد خاصة في عهد بوش المجرم.
ومع ذلك فإن كرزاى يحصن نفسه بتحالفات داخلية، سنتكلم عنها، وتحالفات إقليمية تفيده ماليا وسياسيا، إذ تلقى  من الجارة إيران مبالغ مالية اعترف بها رسميا قائلا إنها مساعدات ضمن عملية تتسم “بالشفافية”!!.
ومعروفة هي شفافية كرزاى ونظام الفساد والعفن الذي يديره في كابل.
وكرزاي محصن أمريكيا بأجهزة مافيا الجريمة المنظمة (المخابرات المركزية) والمافيا الأقوى في بلاد  العم سام (مافيا المخدرات) ثم كارتيلات النفط العملاقة التي استخدمته مستشارا قبل غزو أفغانستان.
دفاعات كرزاى الداخلية:
التحصينات الداخلية لكرزاي كانت مثار اهتمام حتى من صحافة أسياده الأمريكان التي لا يسعها الصمت على كل هذا السيل من الفضائح والذي إن سكتوا عن مجرد تعداده وذكره فقد يفقدون ما تبقى من شبهة مصداقية يتوهمها البعض في الإعلام الأمريكي.
بعد التخفيف والتعديل تكرمت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بذكر نموذج من فضائح نظام كابل وعمدته كرزاى فقالت:
# أن كرزاى يسيطر على شئون التجارة والأعمال في أفغانستان بواسطة شبكة من الأقارب والأصدقاء المقربين أعطاهم المناصب الهامة في البلد فتمكنوا من الاحتكار وتكديس الثروات.
وضربت الصحيفة مثالا طريفا لصديق له يدعى “تاج أيوبي” وهو أفغاني أمريكي ـ أي من تلك الفئة ذات الحظوة والنفوذ والسلطة في النظام الاحتلال الراهن.
أيوبي المهاجر في أمريكا كان هناك مجرد تاجر أثاث ـ ولم تذكر الصحيفة أن كان الأثاث مستعملا أم جديدا ـ لكنها ذكرت أن طبيعة عمل أيوبي تغيرت بشكل درامي عندما تحول بقدرة قادر إلى مستشار سياسي للرئيس كرزاى.
حتى الصحيفة الأمريكية سخرت من ذلك الأمر وخمنت أن السبب قد يكون زواج شقيقة أيوبي بأحد أفراد عائلة كرزاى، فسمحت المصاهرة باستيعاب أبناء أيوبي ضمن شبكة عائلة كرزاى للفساد.
فالعديد من أفراد عائلة كرزاى والمقربين إليه والأصهار أصبحوا ذوى مناصب حكومية هامة، والأهم هو عمل بعضهم مع الاحتلال الأمريكي بصفة “متعاقدين” أي موردين للجنود المرتزقة، ومقاولي “مشاريع تنمية” تخدم إحكام قبضة الاحتلال على البلد وتسهل نزح الموارد من أفغانستان إلى الولايات المتحدة.
وأشارت الصحيفة إلى إخوة كرزاى “أحمد” ثم “على” الذي قالت عنه أنه سمسار شهير في قندهار ـ ولم توضح سمسار لأي نوع من البضائع ـ وفي الأخير الشاب النابغة محمود كرزاى بطل فضيحة بنك كابل الهارب حاليا من أفغانستان إلى وطنه الأمريكي بعد أن شارك في سرقة 300 مليون دولار من البنك الخاص، فتبرعت حكومة كرزاى/وعلى طريقة أوباما في علاجه لسرقات البنوك/ بسدادها من أموال الشعب.
والآن تبحث ما يسمى بسلطات العدل الأمريكية إن كان محمود قد دفع ضرائب عن سرقاته تلك أم أنه تهرب من مسئولياته كمواطن أمريكي صالح ولم يدفع الضرائب المستحقة على سرقاته من بنوك أفغانستان.
ويقول التقرير الصحفي أن هناك عددا كبيرا من أفراد العائلة الحاكمة يقيم في الولايات المتحدة، لم يذكرهم أحد، وجميعهم كانوا يعيشون هناك وعادوا في ركاب جيش الاحتلال ليصبحوا أفرادا في واحدة من أقوى عائلات أفغانستان ـ (طبعا في السرقة والمخدرات).
وتقول الصحيفة أن أحد أبناء إخوة كرزاى يعمل الآن مسئولا كبيرا في جهاز المخابرات وله سلطات واسعة على العمليات الأمنية الحساسة في أفغانستان.
وتقول الصحيفة أن أخا آخر للرئيس يعمل مسئولا عن وكالة تصدر التراخيص اللازمة لكل الشركات، ولنا أن نتخيل الدخل الذي يمكن أن تدره وظيفة كهذه نتيجة الإتاوات والرشاوى والابتزاز وأحد أقارب كرزاى يدير البرلمان (!!) ـ أي يمكن اعتباره ضابط أمن لضبط الديمقراطية داخل المجلس.
يضاف إلى كل ذلك مجموعة من حوالي ستة من أقارب الرئيس مرتبطين بعقود تجارية مع الحكومة الأمريكية، تدر عليهم ملايين الدولارات سنويا.
وهكذا هي الديمقراطية الأمريكية: فساد وإفساد في الإدارة وقتل ودمار لأبناء الشعب، وأكاذيب لا تنقطع لتضليل كل من يهمه الأمر.
بقلم  :مصطفي حامد ابو الوليد المصري
copyright@mustafahamed.com

المصدر  : موقع  مجلة الصمود (امارة افغانستان الاسلامية) عدد 54
http://alsomod-iea.com/index.php