كلام فى المنهج: بين العزيز بربه و أبو الوليد المصرى-2

0
كلام فى المنهج
{ ضمن حوار بين العزيز بربه  و أبو الوليد المصرى-2 }
أبو وليد المصرى :
# لا فتوى بدون علم سياسى .
# “المنهج” بدون علم سياسى يجمد كل ثابت وكل متحرك.
# فقه التحالفات وفقه المفاوضات .
# ليس الجهاد المسلح ممكنا فى كل وقت وكل مجتمع، وليس هو دوما الطريق الأوحد للتغيير.
# “البرنامج” و “الإستراتيجية” بديلا عن “المنهج” .
# جميع كوادر القاعدة القدماء وعددهم ما بين عشرين إلى ثلاثين قد إستشهدوا أو أسروا ، والشيخ سعيد كان آخر القدماء فى وزيرستان وأفغانستان .
# جهاد ما بعد القاعدة .
# رؤيه فى مستقبل الجهاد .
::::::::::::::::::::::::::
أولا ـ رسالة العزيز بربه
تاريخ الارسال : 29-9-2010
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته
أرجو تمرير هذه الرسالة للأستاذ أبي الوليد بارك الله فيه وفك الله أسره عاجلا غير آجل :

قلتم في أحد مواضيعك :
ولا أظن أن تنظيم ” القاعدة” يمانع لو أتيحت له فرصة التحالف مع دولة سنية قوية تكون له سندا سياسيا وماليا بل ومرجعية دينية. وهذا ما توفر له مع السعودية فى المرحلة الأولى لبناء التنظيم وقت الحرب مع السوفييت فى الثمانينات الماضية. وهو ما سعى إلى حد ما لأن يبنيه مع باكستان فى فترات مختلفة.
ثم قلتم:
أنكم فى لبنان تؤيدون تنظيم “فتح الإسلام” . وعرفنا إسم ذلك التنظيم خلالمعركة “مخيم نهر البارد” للمهاجرين الفلسطينيين.

وتقول فى موضع آخر: أنكم تتفقون مع حماس فى “المنهج” ـ طبعا ذلك غير ممكن إذا كان إدراكنا صحيحا لمعنى كلمة “منهج” فى القاموس السلفي.
السؤال:
لو اتخذنا فتح الإسلام  النسخة اللبنانية للتوحيد والجهاد نموذجا للمنهج في القاموس السلفي ، كيف يصح نسبة هذا المنهج للقاعدة وهو يعتبر إنشاء علاقة على غرار ما ذكرته من علاقات القاعدة القديمة كفر وردة ؟ .
وما هو مستقبل علاقة القاعدة بهذا المنهج لو إفترضنا عدم تطابقهما كليا أو جزئيا على مستقبل القاعدة والجهاد في العالم وما هي نصيحتك في ذلك؟.
أرجو نشر السؤال كما هو بنقوله مع مراعاة الجانب التأريخي لأهميته وجزاكم الله خيرا.
::::::::::::::::::::::::::::::::::
ثانيا ـ مصطفي حامد ابو الوليد المصري
تاريخ الرد : 18-10-2010
المصدر  :مافا السياسي (ادب المطاريد)
أخى فى الله عزيز
أشكر تمنياتك لى بالحرية التى أسأل الله أن يمن بها على أمتنا الأسيرة .
أود القول أن كلمة منهج تستخدم فى الوسط السلفى الجهادى إستخداما مختلطا وغير محدد سواء داخل التجمع الواحد أو بين التجمعات المختلفة . ورغم عدم تحديد معناها إلا أنها تحاط بقدسية دينية مجهولة المصدر . فمن السهل دائما تغطية أى فهم لكلمة “منهج” بغطاء شرعى ونصوص دينية . وذلك أمر يسير على كل جماعة ولكنه يجلب فى العادة المزيد من النزاعات الفقهية بين المجموعات الجهادية . وقولى هذا مبنى على تجربة ذاتية مع إخوان أعزاء من جماعات متعددة أثناء فترة الجهاد ضد السوفييت وما تلاها من منفى إختيارى داخل أفغانستان قبل وبعد عودة القاعدة إليها .
 لا فتوى شرعية بدون علم سياسى :
     وعندى وجهة نظر شخصية تقول بأن التيار الجهادى السلفى أغرق نفسه أكثر مما يجب فى الفتاوى الشرعية القديمة والتى يكسونها أحيانا بطلاء حديث مع بقاء الجوهر على ما هو عليه . أضف إلى ذلك ندرة المؤهلين للإفتاء فى العالم الإسلامى كله ، مع إحتياج الأمة إلى مجتهد حقيقى يقابل إحتياجات البشر فى هذا العصر المعقد والمظلم .
ببساطة لقد إستولى العدو على منابع العلم الشرعى المتمثلة فى الجامعات الدينية العريقة والحديثة فى العالم الإسلامى ، وطائراته الآن تدك ما تبقى من مدارس دينية خارجة عن نطاق التأميم الإستعمارى للعلم الشرعى الإسلامى فى وزيرستان وأفغانستان.
 
وعلماؤنا الآن وجماعاتنا الجهادية وغير الجهادية تعيد طلاء القديم من الإجتهادات العظيمة الماضية ، والتى لم يعد أكثرها مناسبا لهذا العصر ، ثم تصدرها للجمهور المسلم ، فتضيع الحركة الإسلامية فى متاهات لا تصل بنا إلى هدف .
وجهة نظرى الخاصة تقول أيضا أن “العلم السياسى” ينبغى أن يدخل مكونا أساسيا فى العلوم الشرعية ويجب أن يتقنه كل من يتعرض للإفتاء من المجتهدين وكل من يتصدون لقيادة العمل الإسلامى فى ميادين الحياة بأنواعها، وتشتد الحاجة إلى ذلك العلم وبشكل حاد جدا أثناء التصدى لقيادة العمل الجهادى. ويجب أن يدرك المجاهدون المسلمون حقيقة أن إتقان العلم والفن السياسى لا يقل أهمية / بل يزيد / عن معرفة علوم وفنون الحرب . وفى الحقيقة فإن القول بأن الحرب والسياسة وجهان لعملة واحدة هو قول صحيح تماما ، وجميع أحداث الواقع تؤكده .
 #    السياسة الآن أصبحت العلم المهيمن على كل نشاطات الحياة البشرية داخل وخارج كل مجتمع .
وفى عصرنا الراهن لا يمكن فصل السياسة عن أى نشاط  بشرى مهما كان نوعة، سواء فى الإقتصاد أو التعليم أو الثقافة أوالدين أو حتى البيئة والأمراض السارية والطب وشئون الأمن والمياه والكوارث الطبيعية والإغاثات “الإنسانية” والمعونات الإقتصادية وأسعار العملة  والإستقرار الإجتماعى وصولا إلى الفضاء والنشاط البشرى المتزايد فيه .
حياتنا بشكل عام تحول فيها الإنسان إلى سمكة تسبح فى حوض من السياسة . قد نحب ذلك أو نتألم منه ولكنه الواقع الذى يفرض نفسه على كل البشر بلا أى إستثناء .
    والآن هل يعقل أن نقبل بوجود علم شرعى لا يكون علم السياسة المعاصرة وفنونها أحد مكوناته الأساسية ؟؟. أعتقد أن الفتوى التى لا يدخل فيها العلم السياسى تكون فاقدة لأحد أهم مكونات الفتوى وهو “علم الواقع” أى علم السياسة فى وقتنا الراهن .
معلوم لدى المسلمين أن هناك حالات عديدة تكون فيها الفتوى الشرعية تابعة لما يفتى به الطبيب المختص ، وحالات أخرى تتبع رأى الخبير الأقتصادى. وتلك حالات تعتبر خاصة وقليلة نسبيا. ولكن الحاجة إلى رأى الخبير السياسى يجب أن تصبح محورا أساسيا فى الفتوى المعاصرة إجمالا . ورأى الخبير العسكرى/السياسى يجب أن تكون محورا أساسيا وأحيانا مرتكزا وحيدا للفتوى بشأن الجهاد الذى تمثل له السياسة ركنا أساسيا ، ربما يأتى أحيانا قبل المرتكز العسكرى كما أسلفنا القول .
 ” المنهج” بدون علم سياسى  يجمد كل ثابت وكل متغير :
 == لكل حركة دينية أو سياسية مجموعة أهداف عليا ومبادئ أساسية ثابته وغير قابلة للتبديل . ولأجل تحقيق تلك الأهداف فإنها تضع خطط مرحلية متدرجة تسمى بالمصطلح الحديث “إستراتيجية”. وهى شبه ثابتة بمعنى أنها قابلة للتغيير ولكن بحرص شديد يشبه عملية تفكيك عبوة متفجرة . ولتنفيذ تلك الإستراتيجية على الأرض تتخذ إجراءت عملية تتطلب التنوع والتغيير والإبداع بكافة صورة ، وذلك بالإصطلاح الحديث هو “التكتيك”.
 كل تلك المكونات الأساسية للحركة البشرية بجميع أنواعها بما فيها الحرب تواجهها الحركة السلفية الجهادية ببنيان أسمنتى راسخ ومقدس يدعى “المنهج”، وذلك خطأ فادح .
 فالأشياء الثابتة فى الحياة وفى الدين تعتبر قليلة بالنسبة إلى العوامل المتغيرة (التى هى مجال إهتمام علم السياسة) تلك المتغيرات تحتاج إلى إجراء تبديلات فى التكتيك وحتى فى الاستراتيجية نفسها .
إذن خلط كل شئء فى عبوة واحدة مصبوغة بالقدسية الدينية وتسميتها “منهج” مع وضع أطواق من متفجرات وألغام التكفير حول كل شئ بداخله، حتى تلك الأشياء المتبدلة بطبيعتها،
 فذلك جمود فى الحركة يؤدى إلى هزيمة محتمة لأنه يضاد سنن الله فى خلقه .
  فقه التحالفات وفقه المفاوضات :
الفقرات التى هى موضع سؤالك تتناول موضوع التحالفات، وهى مثل باقى موضوعات السياسة تخضع فى الأساس إلى عنصر المصالح حيث كل طرف يسعى إلى تحقيق مصالحة عبر التحركات السياسية بما فيها التحالف مع قوى أخرى لتحقيق مصلحة مشتركة، وبعد تحقيقها  قد يكون هناك تحالف جديد مع أطراف جدد .
عندنا فى الإسلام قواعد أساسية قليلة العدد لضبط التحرك السياسى ، فهى قواعد تحدد الهدف من التحالف بحيث لا يكون هدفا مخالفا للشرع، وتضبط وسائل عمل هذا التحالف بحيث تراعى الأخلاقيات الإسلامية.. وهكذا. وما سوى ذلك فالباب مفتوح لفعل كل ما يحقق مصالح المسلمين ضمن أى تحالف يعقدونه فيما بينهم أو مع غير المسلمين .
إن التحالفات تعطى قوة إضافية لأطرافها لهذا يحرص عليها حتى الأقوياء ذوى القوى الفائقة كما نرى من أمريكا اليوم حين غزت أفغانستان ضمن تحالف يضم أكثر من 44 دولة . بينما هى لا تحتاج عمليا إلى أى مساعدة من كل هؤلاء ، ولكنها تريد تخفيف خسائرها البشرية والمالية بإلقائها على كاهل الآخرين . كما تبذل كل جهد ممكن حتى لا يتمكن المسلمون فى أفغانستان من عقد شبكة تحالفاتهم مع القوى الإقليمية والدولية ذات المصلحة فى رؤية أمريكا تندحر فى أفغانستان وتلاقى المصير السوفيتى فى ذلك البلد . ومعظم دول العالم الأساسية ترى أن ذلك من مصلحتها بل وتتمناه. ولكن البراعة الأمريكية تجلت فى مجال عقد التحالفات بأنواعها عسكريا وسياسيا وإقتصاديا بحيث ربطت مصيرها فى حرب أفغانستان بمصير معظم الدول الهامة التى قد تفكر فى الغدر بالأمريكيين والعمل على التخلص منهم فى المستنقع الأفغانى .
 وهى بذلك عرقلت / تقريبا / عملنا السياسى فى مجال عقد تحالفات مع الآخرين، وتلك نقطة إيجابية فى مصلحتهم ولكن لها أثر ثانوى يعمل لمصلحتنا، ولكن ذلك حديث آخر .
     المفاوضات هى الأخرى أحد وسائل العمل السياسى الهامة . ولا يمكن الإستغناء عن التفاوض فى أى علاقة بشرية سواء فى علاقات الأصدقاء أو علاقات الأعداء أو حتى داخل الأسرة الواحدة . وهنا أيضا عدد محدود من القواعد الإسلامية يجب مراعاتها مثل مشروعية الهدف موضوع التفاوض وعدم التفريط فى أى ثوابت إسلامية أو حقوق للمسلمين أو تفريط  فى مستقبل أجيالهم اللاحقة… وهكذا. وما تحت سقف تلك الثوابت هناك عدد لا يحصى من الخطوات من أجل تحقيق الغرض من التفاوض .
ما نريد قوله هو أنه لا عملية التحالف ولا عملية التفاوض محرمة بشكل مطلق مع أيا كان، كما أنها ليست مباحة بشكل مطلق مع أيا كان . وكل حالة هى عبارة عن مبحث خاص له ثوابت شرعية قليلة ومتغيرات واقعية كثيرة جدا يفتى فيها علماء السياسة ويكون لرأيهم قوة الإفتاء الشرعى الذى بالطبع قد يصيب وقد يخطئ ولكنه دوما يجب أن يكون مبنيا على علم حقيقى .
:::::
   “البرنامج” ــ “الاستراتيجية” ــ ” المنهج” :
لهذا أرى أن نتخلى عن ذلك التهويل بإصطلاح المنهج ، وأن نستخدم إصطلاحات أخرى أكثر تحديدا ويسهل فهمها وترجمتها عمليا فى واقع الحياة المعاصرة . وأن يكون المنطلق الشرعى لأى تحرك إسلامى جهادى / أوغير جهادى / مرتكزا على الفقه السائد فى منطقة عمل المجاهدين ، وذلك إغلاقا لأبواب الشقاق والفتن التى ينفذ منها العدو بكل سهولة .
“الهدف النهائى” لكل حركة إسلامية / جهادية أو غير جهادية/ يجب أن يحدد ويعلن بوضوح للجميع ، وذلك ” الهدف” إصطلاحا هو “البرنامج” التى تتبناه الحركة الجهادية .
وإعلان الهدف المرحلى (البرنامج المرحلى) ، ضرورى فى أكثر الحالات حرصا على تجميع قوى المسلمين خاصة فى الأوقات الحرجة والمصيرية مثل الإحتلال الأجنبى لبلد إسلامى حيث يجب أن يكون دفع الخطر الداهم مقدما على أى تفريعات ، أو أهداف بعيدة الأمد ، قد تثير أكثر من خلاف فى الرأى حتى بين المسلمين .
يلى ذلك تحديد “الإستراتيجية” المتبعة لتحقيق ذلك الهدف” البرنامج” .
ومن المستحيل وضع استراتيجية بدون سياسيين خبراء فى الإستراتيجية. وإن كان العمل العسكرى داخل ضمن وسائل تحقيق الإستراتيجية فيصبح رأى الخبراء العسكريين أساسيا.
 ومن المفروغمنه القول أن كل ذلك يتم تحت مظلة الثوابت الإسلامية ولا يخرج عنها .
ولكن مايحدث فى عالم التحرك السلفى الجهادى المعاصر هو شئ آخر .
 فكل العدة الجهادية هى فتوى يمكن الحصول عليها حتى من على شبكة الإنترنت ، ثم خطيب متحمس يلهب العواطف ويغيب العقول عن العمل ، ثم تأليف “منهج” يضع الحركة فى قالب متجمد محاط  بسياج التكفير لكل منتقد أو معارض أو مخالف .
 وأصبح من البديهيات المعلومة بالضرورة فى كل الساحات التى تفاعلت فيها تلك المعادلة الجهادية ، أن النتيجة هى الفشل والكوارث الماحقة … ولا شئ غير ذلك .
=  كما قلت فإن “المنهج” هو إصطلاح هلامى غير محدد ، يحمى جمودا حركيا ذو صبغة دينية مفتعلة ، لأن الدين لا يمكن أن يكون جمودا وتخلفا ، بل هو حركة دائمة صاعدة إلى أعلى ، من الأرض والتراب صعودا صوب السماء .
وقد رأينا أنه حتى فى حدود الحركة الجهادية الواحدة قد يتعرض فهمها للمنهج إلى تغيير حاد . وهى فى كل تغيير متناقض تتذرع بالنصوص والفتاوى ، ولا تقدم تفسيرا عقلانيا واحدا.
إن وضع “منهج” جهادى فى غياب علم سياسى متين هو مجرد وهم . وللأسف فإن العلم السياسى مفتقد تماما فى الوسط السلفى بشقيه الملكى والجهادى. والقيادات لا تتمتع بأى قدر معقول من المعرفة السياسية الحقيقية ، أما الكوادر والأفراد العاديين فحدث ولا حرج . حتى أن بعضهم يحرم السياسة ويجرم من يتحدث بها ، وذلك مبلغهم من العلم .
       أما التناقض فى المناهج نتيجة غياب العلم السياسى فيتضح من أمثلة فى تجربة جهاد أفغانستان فى ثمانينات القرن الماضى، مثل التضارب فى تقييم القيادات السلفية العربية لعميل أمريكى واضح مثل ضياء الحق . حيث كان يراه قادة أساسيون على أنه مبعوث العناية الإلهية لمجرد أنه سمح بتمرير السلاح والنفوذ الأمريكى إلى داخل أفغانستان عبر أحزاب بيشاور الفاسدة التى تاجرت بالجهاد .  بينما يرى آخرون أنه مجرد “كافر لا يحكم بما أنزل الله” .
 وهناك الخلاف والإضطراب فى تقييم عناصر إستخبارات عربية كانت تعمل فى القضية الأفغانية وفى أوساط العرب المجاهدين . وتراوحت الأحكام ما بين تكفير مطلق وبين تبرئة مطلقة فى كل حالة من الحالات .
لقد فشل القادة السلفيون الجهاديون فى تقييم القضية الأفغانية سياسيا، وكذلك فعلوا فى كل القضايا الأخرى التى شاركوا فيها من البوسنة إلى الشيشان إلى العراق . فلم يروا فى كل قضية سوى أنها ساحة للجهاد الإستشهادى . والنتيجة أنه تم إستخدامهم فى كل تلك الساحات فى عمليات دولية معقدة إستغلت الجهاد كنوع من الحرب بالوكالة لصالح الولايات المتحدة تحديدا.
 ولا عجب فى ذلك ، فغياب العلم السياسى يعنى غياب البصيرة عن العمل الجهادى.
 وأى “منهج” لا يدخل العلم السياسى فى صلبه فهو “منهج” لا يسير على الأرض بل يحلق مع سراب الأوهام .
 ==   وفى إطار الأمثلة الواردة فى السؤال حول تأييد القاعدة لتنظيم فتح الإسلام كونه متفق معها فى “المنهج” . ثم هجوم القاعدة على حماس فلسطين ثم القول مرة أخرى أنهم متفقون معها فى “المنهج” ، فذلك يرجع إلى تميع فى مدلول ذلك الإصطلاح الذى إكتسب قدسية فى غير محلها. فإذا كانت وحدة “المنهج” تعنى وحدة المنبع الفقهى الذى هو السلفية ، فإن السلفية تتبع الدليل كما يقولون، ولكن كل شخص يمكنه أن يقنع نفسه بدليل مختلف حيث أن التقليد ممنوع . وهكذا يكون تعدد الجماعات بل وتناقضها الكبير أمرا واردا بل  وحتميا .
وإذا كان الإتفاق هو فى إعتماد الجهاد وسيلة وحيدة لإحداث التغيير ، فذلك أيضا منطلق خاطئ  فالعديد من الحركات السلفية الجهادية بعد أن أصطدمت بالواقع وفشلت فى تحقيق أهدافها المعلنة فى بلادها تراجعت تماما عن منهجها الجهادى بشكل مرتبك ومعتذر ومحبط  لأى مسلم.
وفى الواقع ليس الجهاد المسلح ممكنا فى كل وقت أو فى كل مجتمع . وفى الوقت الراهن يدور الجهاد فعليا فى بعض البلاد التى نضجت فيها ظروف مواتية للجهاد. مع إمكانية نجاح كامل فى بعضها أو جزئى فى البعض الآخر، أو بأفق مغلق فى بعضها نتيجة أخطاء فى “المنهج” السلفى المتصدى للقيادة .
كما أن القتال المسلح ليس هو الطريق الأوحد أمام كل مجتمع لإحداث التغيير المنشود .
 فهناك مثلا وسيلة الثورة الشعبية أو العصيان المدنى الذى يحتاج إلى إعداد إجتماعى طويل بأساليب دعوية وسياسية ونضالات صغيرة متتابعة ضد النظام القائم . وكل ذلك يتعارض بشكل جذرى مع السلفية وفكرها وأساليب عملها. لذا لا أعتقد شخصيا بإمكان أن تكون السلفية قادرة على قيادة أى عمل شعبى على طريق التغيير الإسلامى .
فالسلفية الجهادية ترى أن الحل هو البندقية والحزام الناسف دائما وأبدا وفورا .
 وبدون عمل سياسى داخل البلد وخارجها فلا يوجد جهاد متكامل . لأن القتال فى حد ذاته هو عمل سياسى عنيف حسب أحد التعريفات المعتبرة . ولا أعلم أى تنظيم جهادى سلفى إعتمد العمل السياسى على أى نطاق داخلى أو خارجى . فظهرت تلك التنظيمات وكأنها فى مهمة قتل لا أكثر، وأنها توظف الفتاوى فى تغطية ذلك القصور .  وتلك الصورة المرعبة تطرد أى إمكانية تعاطف أو تفاعل من باقى المسلمين ، ناهيك عن غيرهم .
القاعدة والمنهج :
 كانت القاعدة فى خصومة مع التدوين . فلم تهتم بكتابة أى شئ بما فى ذلك “المنهج”.
 و دوما لم تهتم بإصدار أى إعلام مكتوب ، ولم يصبح لها إعلام خاص مصور سوى قبل حوالى عام من أحداث سبتمبر .
ومع كل حادث جلل خاصة ضرباتها العسكرية الثلاث ضد الولايات المتحدة كانت تصدر رسائل حماسية مصورة لشرح التبريرات الشرعية والسياسية لما حدث . وكل بيان/أو بيانات/ صدرت بعد تلك العمليات يمكن إعتبارها منهجا منفصلا من حيث إستخدام إفتاءات فقهية متنوعة . فمثلا فى عملية أفريقيا المزدوجة ضد السفارتين الأمريكيتين كانت هناك شبه صدمة من عدد المدنيين الأفارقة الذين قتلوا بدون ذنب . وفى عملية المدمرة الأمريكية التى ضربت فى ميناء عدن لم تكن هناك حاجة إلى مثل تلك التبريرات كون الهدف كان عسكريا ولم يصب مدنيين . ولكن فى عملية 11 سبتمبر كانت الإشكاليات أكبر فاستدعت دفاعات شرعية وسياسية جديدة عما سبق أى إحتاجت إلى “منهج” جديد . أعطى ذلك الأسلوب للقاعدة حرية حركة أكبر ومرونة فى إستخدام “سلاح الفتوى” ولكنه لم يعطيها منهجا ثابتا حسب المفهوم السلفى .
وقبل 11 سبتمبر كانت قيادة القاعدة منهمكة فى إعداد بحث فقهى تحت عنوان “ماذا لو أوقف الأمير الجهاد المتعين شرعا”. وهدف البحث كما هو واضح هو التأصيل الشرعى لعصيان أوامر الملا محمد عمر/ أمير المؤمنين المبايع شرعا/ والذى طلب من قيادة القاعدة الإمتناع عن فعل أى شئ ضد الأمريكيين بما فى ذلك المقابلات الإعلامية . وذلك كان تطبيقا آخر لمرونة القاعدة فى إبتكار” منهج” ملائم لكل حالة أو عملية .
إذن القاعدة كانت فى حاجة إلى تغطية فقهية لتصرفات غير مرتكزه على تأصيل فقهى ولا علم سياسى .
لقد تميزت القاعدة فى وقتها بإستخدام شئ من الخطاب السياسى وخالفت فى ذلك نظيراتها من الحركات السلفية الجهادية التى أعتمدت تخريجات فقهية صرفه لتبرير حمل السلاح وذلك بإعتماد ذلك النوع من الفقه المنفصل عن واقع الحياة الجارية أى المنقطع عن العلم السياسى .
ولكن تلك الميزة لدى القاعدة لم تتطور إلى درجة تكوين رؤية سياسية متكاملة تكون مرشدا للمسيرة الجهادية .
فكانت السياسة فى ذلك الخطاب نوعا من التجديد الإنشائى فى الخطاب السلفى الجهادى.
جهاد ما بعد القاعدة :
ثم تسأل عن العلاقة المستقبلية للقاعدة مع هذا “المنهج” ، وتاثير ذلك على الجهاد فى العالم .
يحمل السؤال إيحاء بأن الجهاد فى العالم مرتهن بالقاعدة .. وذلك وهم خطر .
فمن وجهة نظر خاصة أقول :
ــ أن القاعدة الحقيقية قد إنتهت بالفعل .
ــ جميع الحركات الجهادية الحالية فى الوقت الراهن والتى تمكنت من إحراز درجات مختلفة من النجاح لم تكن لها أدنى علاقة بالقاعدة بل لم تكن سلفية فى الأساس .
ــ لم تقدم السلفية الجهادية أى نموذج جهادى ناجح أو يبشر بالنجاح فى أى بقعة من العالم .
بل أن خطابها العام وطرحها الفقهى والحركى ينفر عنها المسلمين ويتركها وحيدة فى الساحة تعالج فشلها بالمزيد من الصياح المتشنج أو “التفجيرات العمومية” إذا تيسر لها ذلك .
ــ إستمرارية السلفية الجهادية حتى الآن رغم فشلها الذى لا يحتاج إلى دليل هو كونها تناسب القوة الدولية المتحكمة فى العالم والتى تريد أن تصرف نظر الشعوب عن المخاطر الحقيقية للسيطرة الصهيونية على المال والسياسة والثقافة فى العالم إلى عدو وهمى هو “الإسلام”.
 فالسلفية المعزولة عن جمهور المسلمين والغائبة عن واقع عالمها نتيجة جهلها السياسى المطبق يمكن إستغلالها لتقديم نموذج “للإرهاب الإسلامى” يفيد أعداء الإسلام فى حشد العالم كله ضد المسلمين وتصوير الإسلام / كدين / عدوا للبشرية .
وذلك هو المصدر الأساسى لديمومة السلفية الجهادية ، وإنتشار البثور السلفية الجهادية على مساحة واسعة من العالم الإسلامى بلا أى عمق شعبى مساند لها, واستمرار أسطورة القاعدة رغم إنتهاء التواجد الفعلى للقاعدة الأصلية التى أسسها أسامة بن لادن .
 ومعروف أنه خلال السنوات التسع الماضية فقدت القاعدة / مابين شهيد وأسير / جميع كوادرها الأساسية الذين كانوا عماد حركتها كلها ، وكان عددهم يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين عنصرا كان آخرهم الشيخ سعيد الذى أستشهد فى وزير ستان منذ أشهر .
 
ــ من المحتمل أن تستمر القاعدة إذا أتيح لأسامة بن لادن أن يشكل تنظيما جديدا، ولكن ذلك غير ممكن حاليا ، بل ربما تردد فى فعل ذلك حتى  ولوأتيحت له الفرصة مرة أخرى .
 أما إمتدادات القاعدة من تنظيمات إلتحقت بها بعد أحداث سبتمبر فهى إلتحاقات شكلية نابعة من رد فعل عاطفى أو مصلحة متبادلة . ولكن ليس هناك أى رباط  تنظيمى من أى نوع .
فلا “منهج” موحد ولا خطة عمل واحدة ولا حتى إتجاه متفق عليه للحركة الجهادية .
ويمكن القول بأنه رابط شكلى يشبه “جامعة الدول العربية” بل وحتى أقل من ذلك بكثير .
رؤية إلى مستقبل الجهاد :
 –  فلابد من إعادة تصحيح مصطلح السلفية الذى إختطفه تيار خاص وأساء إليه كثيرا، رغم أنه مفهوم يمس جوهر الإسلام لدى جميع المسلمين، كون الإسلام وصلنا عن طريق السلف.
–  الإساءة إلى مفهوم السلفية تبعه الإساءة إلى الجهاد فهما وتطبيقا . وهنا الخطر الداهم حيث أن الجهاد هو أسلوب للدفاع الجماعى الذى تمارسه الأمة فى مواجهة أعدائها .
وما تمارسه السلفية الجهادية حاليا شتت الأمة من حول الجهاد، فكانت بذك عونا غير مباشر للحملات الأمنية والإعلامية التى تهدف إلى نزع ذلك السلاح تماما من يد المسلمين وترك الأمة مكشوفة أمام حملات أعدائها .
– الإنتباه إلى أننا نعيش فراغا فقهيا نتيجة غياب الإجتهاد الحقيقى بغياب العلماء الحقيقيين وسيطرة الأعداء فى الداخل والخارج / متعاونين/ على معاهد العلم الدينى .
– معالجة مشكلة ضعف التثقيف السياسى بين قيادات الوسط الإسلامى السلفى ، وغيابه تماما فى أوساط الشباب السلفى .
– إعادة الإرتباط بين الفتوى والعلم السياسى وجعله مكونا أساسيا من التكوين العلمى لأصحاب الإفتاء .
– فتاوى الجهاد ، وحتى تصبح حقيقية وفعالة ، لابد أن يكون العلم السياسى والعلم العسكرى مكونا أصيلا منها وليس مجرد إضافه تجميلية إليها .
– إعتبار تجربة الجهاد السلفى ، بما فيها القاعدة ، مجرد خطوة على الطريق بكل مالها وما عليها. ويجب تخطيها إلى ماهو أفضل وأكثر تناسبا مع ظروف الأمة .
– إخضاع التنظيمات الإسلامية جميعا والجهادى منها بشكل خاص إلى التقييم الدائم والتقويم المستمر، والإبتعاد عن تقديس الأفراد أو التننظيمات التى هى مجرد وسائل عمل وليست كيانات قدسية مستقلة بذاتها ، وكذلك هى مناهجها أو برامجها وخططها.
– تحديد هدف أعلى للمسلمين هو صد الهجمة الصليبية الصهيونية عن الأمة . ثم رص الصفوف خلف ذلك الهدف وعدم التحول إلى تفريعات تفتت شمل المسلمين ، وإعتبار فعل ذلك عملا عدائيا ضد الأمة والتعامل معه على هذا الأساس . ثم عقد تحالفات أو تفاهمات داخلية و خارجية بما يقوى المجهود الإسلامى فى تحقيق ذلك الهدف .
– الإنتباه إلى أن العالم الإسلامى يفتقد إلى القوة الدافعة المركزية. سواء فى صورة دولة أو فى صورة حركة شعبية جامعة. وجعل ذلك هدفا تسعى إليه الحركة الإسلامية كلها من أجل تحقيقه فى مرحلة ما من المستقبل .
 أخى العزيز ، هذا ما يحضرنى الآن فى هذا الموضوع ، ودمت عزيزا بربك .
الرد :مصطفي حامد ابو الوليد المصري
تاريخ الرد : 18-10-2010
المصدر  :مافا السياسي (ادب المطاريد)
نسخة PDFنسخة للطباعة

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here