أفغانستان بين حكومة الدبابات وحكومة القاذفات !

بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world
لم يكن فى تقدير الملا عمر أن تتمكن حركته من السيطرة على معظم أراضى البلاد بمافيها العاصمة كابول, وأن تصادف كل هذا الدعم من القبائل وأفراد الشعب الذين سحقهمالإرهاب المسلح للجماعات الكبيرة من قطاع الطرق, والتى اعتمدت عليها الأحزاب فى بسطأوسع سلطات لها على البلاد من جهة, ولدعم موقفها في توازن الرعب السياسي في كواليسالسلطة في كابول من جهة أخرى.
• كانت العصابات مدعومة من كابول-العاصمة السياسيةوالتي توزعت فيها السلطات على المنظمات – كغنيمة حرب – تقاسمها القادة تحت إشرافالقوي الدولية التي رسمت إطار الوضع السياسي الجديد, الذى رعته القوي الإقليميةالتى اختلفت فى كل شئ إلا من خشيتها للدور المقبل لأفغانستان بعد أن انتهى دورهاالذى استمر لقرابة مئة وخمسين عاماً. كوسادة عازلة بين وحشين دوليين: إمبراطوريةالروس في الشمال وإمبراطورية الإنجليز فى الجنوب. الحرب الأمريكية الأخيرة أعادتمرة أخري صيغة أحزاب الرعب فى كابول بشكل مؤقت إلى أن تصل الى صيغة أمريكية بحتهلا تراعى غير مصالحها فقط- مع بعض المكافآت الشحيحة للمتعاونين المحليينوالإقليميين. فلن ترضى أمريكا ألا أن تحكم أفغانستان فئة واحدة بعينها.
تعمير .. أمتحرير؟
 *ليس الحكام فقط بل وبعض المثقفين والإسلاميين, يبشر بما تبشر بهأمريكا فى أفغانستان, من أن البلاد دخلت تلقائياً وبمجرد دخول القوات الأمريكيةوهزيمة حركة طالبان, دخلت عهد السلام وانتهت مشكلة المخدرات وتحررت المرأة!! وأنالعهد الآن هو عهد التعمير. ثم بدأ اللغط المطلوب حول هذه النقطة .. من سيدفع كم؟.. ومن سيبنى ماذا؟.. ومن سيشارك ومن سوف يستبعد؟.. وأمريكا بالطبع هى الصنم الأكبرالذى يرقص الجميع حوله ويدقون الطبول ويحرقون البخور طلباً للبركات وصكوك الغفرانو.. عقود الإعمار!! ولم يبالي البعض – ممن هو محسوب على تيار الثقافة الإسلامية – أن يحتضن علناُ ما تريد أمريكا. بل وإسرائيل – من تبديل مناهج التعليم الإسلامي, والتى كانت السبب فى “تطبيقات طالبان” للإسلام لأنهم كما قال ” طبقوا ما تعلموه” .. إذن الذنب ليس عليهم بل على مناهج التعليم!! ثم يتباكى هذا – وغيره – على الغبنالذى لحق بالعرب لأنهم استبعدوا من عملية أعمار أفغانستان (!!). ولم يذكر هؤلاء أنجمعيات التنصير العالمية فى مجال الإغاثة, والتي طردتها حركة طالبان وسجنت عدداً منأفرادها وصادرت المواد التبشيرية التى بحوزتها, هؤلاء كانوا أول من عاد بعد هزيمةحركة طالبان, وفى حماية القوات الأمريكية والدولية. وكان عددا من هؤلاء قد أطلقسراحهم بعملية عسكرية قامت بها القوات الأمريكية فى ولاية غزني حيث كانوا محتجزين (بل هكذا ادعت البيانات الأمريكية, والحقيقة أن أمريكا قد اشترتهم من سجانيهم الذينأغواهم المال, ثم نقلتهم بالطائرات إلى باكستان). إن ثمن الأعمار معروف, ولكننانتغافل.. فالدول الكبرى إنما تدفع لحماية مصالحها ولتنمية هذه المصالح فهذا هو الذىتسمية تنمية أو إعادة أعمار. والتنمية فى أفغانستان, ثمنها هي سلخ أفغانستان عندينها. والتمكين لطبقة اجتماعية تحمى مصالح الغرب وتقهر المسلمين. وليست أفغانستانهي أول تجربة للغرب فى هذا المجال, ولكن “كرزاي” – رمز الخيانة فى بداية القرنالجديد – عليه أن يدفع مستحقات لا مهرب منها, بجعل الثمن الأول للأموال المتدفقةعلى حكومته هو التطبيع مع إسرائيل, ووضع مصالحها فى نفس مستوى المصالح الأمريكية فيبلاده, ولا يشترط بداية أن يكون ذلك علنياً تفادياً لإثارة المشاعر الأفغانية التىمازالت بعيدة عن الهدوء. ولإسرائيل قصة طويلة فى أفغانستان, ظلت متسارعة وحثيثة منذفترة الغزو الإسرائيلي. حتى أنه بعد نجاح المقاومة الأفغانية ودحر السوفييت حاولتإسرائيل الإدعاء بأن قبائل البشتون هم من اليهود, وكانت تهدف إلى معاملتهم معاملة “الفلاشا” الأحباش!! * وباستثناء بعض الأصوات فى الجمهورية الإسلامية الإيرانية – لم يكد أحد يذكر أن أفغانستان عادت مرة أخرى تحت الاحتلال وأنها بحاجةإلى تحرير. لقد عم الخوف والطمع من الصنم الأمريكي الأعظم, لدرجة أنست المسلمين إسلامهم وتخلواعن أساسيات دينهم بسهولة مفجعة, ونسوا أن هؤلاء الذين ذبحوا الدين على مذبح “التنمية” ازدادوا فقراً إلى فقرهم, وخسروا دنياهم مع تخليهم عن دينهم, والذلةالمخزية للنظام التركي خير مثال.. ومثله كثير. إن التنمية بهذا الشكل – أو حتىإعادة التعمير – ليست سوى حواجز لمنع التحرير, أو لجعله كارثة على المواطنينوالدولة. ومازال هذا الجيل يتذكر كيف اشترطت إسرائيل – إعادة إعمار – مدن قناةالسويس قبل الشروع حتى بمجرد التفاوض مع مصر, وكيف اندفع عملاء أمريكا فى المنطقةالى تمويل هذا الأعمار تلبية لأوامر أمريكا وإسرائيل, ولمنع عملية التحرير, وليس منأجل سواد عيون شعب مصر. ونلاحظ فى فلسطين كيف أن عمليات “التعمير” التى مولتهاأوروبا – كرشوة للشعب والسلطة الفلسطينية – كانت من أول ضحايا ضربات حكومة شارون. ولا نذهب بعيداً, فمن أوائل ضحايا الضربات الجوية الأمريكية لأفغانستان كانت (المشاريع الإعمارية) التي أقامتها أمريكا فى تلك البلاد قبل الحقبة الشيوعية, ومنها مثلاً مطار قندهار, وسد “كشاكي” القريب منها.. وغير ذلك فى مناطق أخرى.
29-2-1423 هـ
بقلم :
هاشم المكي (مصطفي حامد)
المصدر:
مافا السياسي (ادب المطاريد)
www.mafa.world