الصين فى أفغانستان

أرباح إقتصادية عاجلة وخسائر إستراتيجية مؤجلة
مستقبل العلاقات الصينية مع إلإمارة الإسلامية

مع الإمارة يكمن المستقبل الإستراتيجى لعلاقة الصين مع وسط وغرب آسيا.
ـ أفغانستان حلقة مستقبلية لربط شمال آسيا بجنوبها وشرق آسيا بغربها.
ـ خط الحرير القديم سيتحول مستقبلا إلى ( خط السكك الحديد) الذى يربط
كابول بالقوقاز واسطنبول ودمشق فى خط إسلامى أخضر اللون خصب
التاريخ.
ـ عبر أفغانستان يوجد الممر الآمن لخطوط النفط الواصلة بين الصين وحقول
النفط فى غرب آسيا بعيدا عن تهديد الأساطيل الأمريكية.

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 43
http://124.217.252.55/~alsomo2
تتبنى الصين نظاما سياسيا قائما على الماركسية ، مع نظام إقتصادى رأسمالى .
وتلك أزدواجية شائعة فى عالم اليوم . حين تكون عقائد النظام تسير فى إتجاه بينما إقتصاده يسير فى إتجاه مخالف، ولكن ذلك ليس موضوعنا. فالذى يعنينا هو سلوك الشركات الصينية فى أفغانستان والذى يتعارض بالفعل مع مصالح الدولة الصينية فى ذلك البلد المحورى فى قارة آسيا.

ـ ونود أن تنتبه الصين ( الدولة) إلى أن الصين ( الشركات الرأسمالية) قد تورطها فى المستقبل القريب فى مشكلة إستراتيجية وإن كانت ذات وجه إقتصادى .

فقد إستفادت الشركات الصينية من أجواء الفساد فى كابول وحصلت على إمتيازات كبيرة بطريقة غير مقبولة فى الظروف العادية حين يعمل القانون.

فهناك فساد فى كابل تشتكى منه حتى الولايات المتحدة / راعية أنظمة الفساد فى العالم/ فهى تشتكى من وزير المعادن فى حكومة كرزاى وتطالب بمحاكمته لأنه ” فاز” برشوة مقدارها 30 مليون دولار من شركة صينية فى مقابل تسهيل حصولها على عقد “إستغلال” منجم “آيناك” للنحاس جنوب كابل. وهو من أكبر مناجم النحاس فى العالم.

ـ   الولايات المتحدة لايهمها بالطبع إن كان هناك فساد ورشاوى فى كابل، فذلك شئ ترغب فيه وتشجعة كونه يسهل عليها إدارة البلاد بشبكة من الفاسدين المرتشين الذين يبيعون أنفسهم بثمن بخس.

   عقود تمليك أم عقود إستثمار؟؟

والولايات المتحدة لا تبالى بأن تحصل الصين على “عقد إستغلال” هو أقرب لأن يكون عقد تمليك لأكبر مناجم النحاس فى أفغانستان وربما فى العالم.

بل أن الصين فى طريقها إلى الفوز بعقد مماثل فى مجال الحديد لواحد من أكبر مناجمه فى العالم، ويقع إلى الغرب من كابل.

فالولايات المتحدة تركز الآن على النفط الذى هو كلمة السر فى إقتصاد العالم، وهو سلعة يسهل نقلها وتخزينها وتوزيعها أكثر من أى خامات صناعية أخرى مثل النحاس أو الحديد. كما أنه أداة تحكم فى إقتصاديات العالم، خاصة إقتصاد الصين، المنافس الأكبر والأخطر للإقتصاد الأمريكى المتراجع بإضطراد.

ـ تجيد الولايات المتحدة عقد التحالفات. وذلك من أكبر أسرار نجاحاتها فى السياسة الدولية، بل والداخلية أيضا.

وعمدة التحالف هو مبدأ الصفقة. والصفقة تعنى أساسا تبادل منافع مالية أو إقتصادية فى الأساس، ثم منافع سياسية وإستراتيجية فى المرتبة الثانية والثالثة.

ظهر واضحا فى حروبها العدوانية على أفغانستان والعراق قدرة الولايات المتحدة على دفع الرشاوى فى صفقات جذب الحلفاء إلى المشاركة فى ساحة المعركة، أو شراء صمتهم الدائم أو المؤقت.

ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير لمعرفة أن الولايات المتحدة تعود لإسترجاع تلك الرشاوى عندما يستقر بها الحال وتثبت جذورإحتلالها. وعندما لا تعود فى حاجة إلى دخول حلفاء إلى جانبها فى ساحات الحرب ، أو إلى صمتهم إلى حين الإجهازعلى الضحية وقت العمليات.

وهذا ما سوف يحدث فى أفغانستان والعراق للشركاء فى ساحة الحرب والشركاء بالتواطؤ والصمت. ويشمل ذلك دولا عديدة من بينها الصين.

ـ   وكما نرى فى أفغانستان مع وزير المعادن الذى تطالب أمريكا بمحاكمته بتهمة الفساد والرشوة ومعه وزير الحج والأوقاف ” ربما بتهمة الإرهاب!!” .

فإذا أدين وزير المعادن فقد تتخذ تلك الإدانة وسيلة لإبتزاز الشركات الصينية بصفتها مروجة للفساد، وحصولها بدون الطريق الشرعى على عقود وإمتيازات. فعليها إذن أن تدفع المزيد من المال بما يجعل صفقاتها غير مربحة ، أو أن تلغى إمتيازاتها ، أو أن تتلاعب سلطات الإحتلال بأمن تلك الشركات ، وتباشر ٍ” بلاك ووتر” نشاطها المعتاد فى النسف والتخريب وإغتيال المسؤلين الصينيين فى تلك الشركات ، وإتهام حركة طالبان بذلك . ويومها لن يجد المستثمرون الصينيون غير طريق الفرار تاركين كل شيئ قانعين من الغنيمة بالاياب.

بالعودة إلى المنجم العملاق “ايناك” للنحاس . نجد أن الصين دفعت 800 مليون دولار ” للإستحواز” على المنجم . ويفهم من ذلك أنها دفعت مبلغا مقطوعا ثمنا لشرائه . وهنا تثار عدة إشكاليات :

ـ هل “الإستخواز” يعنى الشراء؟ . أى أن المنجم الآن أصبح ملكا للصين الشعبية وليس أفغانستان ؟. وهل يعنى ذلك أنه أصبح من الأراضى الصينية ؟.

أم أن الشركات الصينية أشترت الخام وستظل تنزح فيه إلى مدة مجهولة. حيث أن كمية الخام غير محددة بدقة، فهى مجرد تقديرات تصيب أو تخيب . فربما إستمر الإستنزاف خمسة أعوام أو خمسة قرون .

ومن غير المحتمل أن يوافق القضاء الإسلامى فى الإمارة على عقود إقتصادية فهذا الشكل . كما أن القيادة السياسية للإمارة من المستحيل أن توافق على بيع الأرض الأفغانية على غرار ما يحدث فى دول عديدة من العالم تبيع بلادها تحت إسم أنيق هو (بيع الأصول الثابتة ) أى بيع الأرض والماء والجبال والبحيرات والأنهار وكل شئ .

يحدث ذلك فقط عندما تستولى على الحكم مجموعات من الأفاقين الفاسدين المدعومين بقوى خارجية . وهؤلاء لا يبالون بمصير الوطن ، ولا هم واثقون من البقاء فى الحكم ليوم واحد زيادة. فربما تخلص منهم المحتل وأتى بعملاء جدد. أو ثار الشعب وتخلص منهم و من الإستعمار فى ضربة واحدة كما سيحدث فى أفغانستان قريبا.

الولايات المتحدة واثقه أنها ستخرج من أفغانستان مهزومة ومطرودة بقوة السلاح وأن الإمارة الإسلامية عائدة مرة ثانية الى الحكم .

وربما ترغب أمريكا بأمثال تلك الصفقات مع الشركات الصينية تحديدا حتى تضع الألغام فى طريق أى علاقة سوية وطبيعية بين الطرفين.

فمن المعلوم أن الإمارة لن تقبل بأمثال تلك الصفقات التى تضيع مصالح الشعب وتخالف قوانين الإقتصاد الإسلامى .

ولكن القيادة الصينية أكثر حكمة من أن تترك أمريكا تجرها إلى ذلك المستنقع، وتؤصل الخلاف وتصاعدة بين الصين الشعبية والحالة الإسلامية فى آسيا، وتصور الإسلام على أنه غول يهدد الصين.

وعلى العكس من ذلك فإن تعاون الصين مع إمارة أفغانستان الإسلامية فى عودتها الثانية ، لن يفتح فقط ثغرة فى جدار الإحتقان المتأزم الذى خلقته الولايات المتحدة وإسرائيل فى علاقة الصين مع المسلمين، ونجاحهما فى تحويل الصين إلى عضو فاعل فى سياستهما الإستعمارية المجرمة والمسماة بالحرب على الإرهاب.

إن الإمارة الإسلامية فى دورها الإيجابى فى قلب آسيا ، كواحة إلتقاء وتعاون وحل المشكلات ، ودفع مسار الحرية والتنمية، ستكون أفضل معين لشعوب المنطقة/ بما فيها الصين / لحل تناقضاتها المفتعلة بين بعضها البعض، وبين كل منها وبين الإسلام ، الذى بدلا من أن يكون أداة تجميع وتعاون، حوله تدخل الأعداء إلى وسيلة للحرب وإشعال الفتن.

ـ للإسلام فى آسيا قدرة كبيرة على الإنتشار السلمى الثقافى بدون إستخدام القوة. بما جعل معظم المسلمين فى تلك القارة يدخلون إلى الإسلام بالكلمة الحكيمة والموعظة الحسنة.

جسر إتصال ومعبرا للطاقة

إن الصين ستكون فى حاجة ماسة إلى علاقات جيدة ومتينة مع الإمارة الإسلامية ليس فقط من أجل الحصول على المواد الخام التى يقال بأن أفغانستان من أغنى دول العالم بها ، بل أيضا من أجل إقامة جسر إتصال برى مع غرب آسيا.

 فحقائق الجغرفيا تقول بأن أفغانستان هى جسر يصل الصين بغرب آسيا حيث منابع النفط فى إيران والخليج، والأسواق التجارية الهائلة فى تلك المنطقة.

وأفغانستان القوية المستقرة يمكنها أن تكون معبرا آمنا لخطوط الطاقة وتنقلات البشر فى جميع إتجاهات المنطقة.

إن الصين سوف تكون أكبر إقتصاديات العالم فى المدى القريب المنظور. وستصبح الأكثر إحتياجا من بين الجميع للمزيد من واردات الطاقة. وبالتالى فهى فى حاجة إلى خطوط إمداد آمنة من حقول النفط فى غرب آسيا إلى سوق الإستهلاك فى الصين عبر أفغانستان تحديدا.

فالبحار ستكون فى أى لحظة بؤرة توتر وإحتكاك وبها أساطيل معادية للصين. وقد تتربص الأساطيل لإمدادات النفط بالمنع أو العرقلة. خاصة فى وقت قد يصبح فيه بترول آسيا بالكاد يكفى إحتياجات التنمية فى تلك القارة العملاقة. ولا ملاذ وقتها إلا بالنقل عبر أنابيب تخترق البر الأسيوى / والأفغانى تحديدا/ بعيدا عن تدخل الأساطيل أو المخاطرة بالمرور فى موانئ وعبر مضائق وممرات غير صديقة متناثرة يتحكم بها أعداء أومنافسون شرسون للصين.

ـ تقول الجغرافيا أيضا أن أفغانستان هى عقدة مواصلات المنطقة ويمكن أن تعبرها وتتقاطع بها الطرق السريعة وقطارات السكك الحديدية الممتدة من الشمال إلى الجنوب ( من موسكو إلى كراتشى). والممتدة من الشرق إلى الغرب ( من بكين إلى بندر عباس). ويمكن أن تمتد عبر أفغانستان خطوط تصل كابل بالقوقاز إلى إسطنبول إلى دمشق.

أنه طريق الحرير القديم الذى سيصبح فى المستقبل غير البعيد (طريق الحديد) فيربط الأفغان بالأتراك بالعرب، فى طريق إسلامى أخضر اللون خصب التاريخ.

التعاون الإيجابى وليس الحل الأمنى

إن ما تفعله الشركات الصينية الآن فى أفغانستان دليل على إنتهازية قصيرة النظر وجشعة. وذلك شئ معهود فى الرأسمالية المتوحشة التى يعميها الربح الكبير والسريع عن رؤية العواقب المستقبلية ولو كانت قريبة.

 إن دعمهم وتعاونهم مع منظومة الفساد فى كابل وتواطؤهم مع المحتل الأمريكى سيجلب لهم خسائر مؤكدة وكبيرة فى المستقبل القريب.
ـ وليست سياسة حكيمة من تلك الشركات أن تتبنى (الحل الأمنى) لمشكلة تعاملها وتواجدها غير الشرعى مع المحتل ومرتزقة نظام كرزاى.

فتلك الشركات تطالب حكومة كابل بتخصيص قوات كبيرة لحماية منشآتها الصناعية، وتطالب أيضا بقوات أمريكية خاصة لدعم الحراسات المحلية.
واضح أن ذلك كله لن ينفع لأنها تستعين بلصوص وقتلة مأجورين وقوات إحتلال فاسدة عمادها شركات مرتزقة من كبار المجرمين والقتلة الدوليين. وذلك ليس دواءا أمنيا فيه شفاء أو حماية. فتلك القوات أثبتت عجزها وفشلها حتى عن حماية نفسها من هجمات المجاهدين، فكيف ستحمى غيرها؟؟. كل ما سوف تفعله هو أن تمارس الإبتزاز والبلطجة على تلك الشركات ولن تحميها. ولو أن الإمارة الإسلامية قررت فى أى وقت أن تشل عمل الشركات الصينية فى أى لحظة لإستطاعت ذلك. فحتى تقارير الصحف الغربية تقول أن مناطق عمل الشركات الصينية (غرب وجنوب كابل ) واقعة تحت نفوذ حركة طالبان.

ـ فإذا أرادت الشركات الصينية من الآن فصاعدا أن تحافظ على خطوط رجعة لها فى أفغانستان فعليها فقط التعامل والتعاون الإيجابى مع الإمارة الإسلامية.

ـ ولا يشك أحد فى أن القيادة الصينية فى بيكين تتمتع ببعد نظر سياسى مشهود. وبالتالى تدرك أن علاقتها مع الإمارة الإسلامية هى الضمان الوحيد لإستمرارية مصالحها الإستراتيجية فى أفغانستان وغرب آسيا. وذلك هدف أكبر بكثير من أن تتلاعب به مصالح بعض المستمثرين الصينيين قصيرى النظر.

بقلم :
مصطفي حامد ابو الوليد المصري
copyright@mustafahamed.com

المصدر  :
موقع مجلة الصمود (إمارة أفغانستان الإسلامية) عدد 43
http://124.217.252.55/~alsomo2